حرب الاستنزاف في الشرق الأوسط تعيد تشكيل النظام الدولي وتؤثر على أمن الطاقة العالمي
حرب الاستنزاف في الشرق الأوسط تعيد تشكيل النظام الدولي

حرب الاستنزاف في الشرق الأوسط: تحول جيوسياسي يعيد تشكيل النظام الدولي

لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بل تحولت تدريجيًا إلى أزمة جيوسياسية شاملة قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي بأكمله. ففي أسبوعها الرابع، انتقلت الحرب من سلسلة من الضربات الجوية المتبادلة على منشآت عسكرية ونووية داخل إيران، لتشمل مسارح متعددة تمتد من الخليج العربي ومضيق هرمز إلى الأراضي الإسرائيلية والبحر الأحمر، في مؤشر واضح على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المأزق الاستراتيجي غير المسبوق منذ حرب العراق عام 2003.

طبيعة الحرب المركبة وتأثيرها على أمن الطاقة العالمي

تتميز هذه الحرب بطبيعتها المركبة، إذ تجمع بين العمليات العسكرية المباشرة والحرب الاقتصانية والضغط الدبلوماسي. منذ أيامها الأولى، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل موجات مكثفة من الضربات الجوية استهدفت منشآت عسكرية إيرانية وبِنى تحتية استراتيجية عبر آلاف من الضربات الجوية، بهدف إضعاف القدرات الصاروخية والنووية لطهران. وقد وصل نطاق الاستهداف إلى عمق البنية النفطية لإيران، مثل استهداف جزيرة خارك، ومحيط المنشآت النووية كمنطقة مفاعل ناطانز. في المقابل، قابَل الجانب الإيراني باستهداف مماثل وصل لضرب منشآت نفطية حيوية في قطر والبحرين وحتى إسرائيل في حيفا، وصولًا لاستهداف منطقة عراد جنوبي إسرائيل حيث يوجد مفاعل ديمونة الأبرز والأخطر.

غير أن البُعد الأخطر في هذه الحرب لا يتمثل في العمليات العسكرية ذاتها، بل في تأثيرها المباشر على أمن الطاقة العالمي. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، تحول إلى بؤرة الصراع الرئيسية. مع تصاعد التوترات وإعلان إيران قدرتها على تعطيل الملاحة في المضيق، شهدت الأسواق العالمية حالة من القلق الحاد انعكست في ارتفاع أسعار النفط واضطراب حركة الشحن البحري. وقد تعرضت عدة سفن تجارية لهجمات في مياه الخليج خلال الأيام الأخيرة، الأمر الذي دفع القوى الغربية إلى التفكير في تشكيل تحالفات بحرية لحماية الملاحة وضمان استمرار تدفق الطاقة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الاستراتيجيات الدولية ومواقف الدول

على المستوى الاستراتيجي، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى فرض معادلة ردع عسكرية جديدة في المنطقة، في الوقت الذي تبدو الجبهة الغربية أقل تماسكًا مما كانت عليه في الأزمات السابقة. فقد أبدت عدة دول أوروبية تحفظات واضحة على الانخراط العسكري المباشر في الحرب، مفضلة التركيز على الجهود الدبلوماسية لضمان أمن الملاحة في الخليج دون المشاركة في العمليات القتالية. ومع ذلك، تحركت عدد من الدول، بلغ 22 دولة، غالبيتها أوروبية بالإضافة لدول عربية متضررة من الأحداث مثل الإمارات والبحرين، لتشكيل ما يشبه التحالف للمساهمة في "الجهود المناسبة لضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز"، وإن لم يتضمن ذلك رؤية أو "أجندة" عملياتية محددة من جانب الولايات المتحدة التي يفترض أنها تقود هذا التحالف.

في أوروبا، لا يبدو الرأي العام متحمسًا لتصعيد عسكري طويل الأمد في الشرق الأوسط؛ فبعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، أصبحت المجتمعات الغربية أكثر حساسية تجاه أي تدخل عسكري جديد في المنطقة. وتشير استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة إلى أن غالبية المواطنين تعارض إرسال قوات برية إلى إيران، رغم توقع الكثيرين أن يؤدي التصعيد الحالي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية.

الاستراتيجية الإيرانية وتداعيات الحرب على المنطقة والعالم

في المقابل، تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على تحويل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية وشبكة الحلفاء الإقليميين. فبجانب العمليات المباشرة في العمق الإسرائيلي، مثل عملية عراد جنوبي إسرائيل، تسعى طهران إلى توسيع نطاق التوتر في عدة جبهات، سواء عبر تهديد الملاحة في الخليج أو من خلال تصعيد غير مباشر عبر حلفائها في المنطقة. يهدف هذا إلى رفع كُلفة الحرب على خصومها سياسيًا واقتصاديًا، ودفعهم في نهاية المطاف إلى القبول بتسوية سياسية.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، تجد دول الشرق الأوسط نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية. فدول الخليج، المشاطئة لإيران والقريبة منها جغرافيا، وفي الوقت نفسه تعتمد اقتصاداتها على استقرار أسواق الطاقة، تحاول تجنب الانخراط المباشر في الصراع مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة. أما إسرائيل، فترى في الحرب فرصة لتقويض القدرات العسكرية الإيرانية التي تعتبرها التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها.

التداعيات العالمية وإعادة تشكيل النظام الدولي

لكن الأبعاد الحقيقية للأزمة تتجاوز حدود المنطقة بكثير، فالحرب الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها القيادي في النظام الدولي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الجيوسياسية مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا. كما أن الصراع يعكس تحولًا متزايدًا في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحرب المعلوماتية والصراعات غير المباشرة.

مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، يبدو أن الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية قد تعيد رسم توازنات القوة في المنطقة والعالم. فالمواجهة الجارية لا تدور في فراغ جيوسياسي في منطقة يمر عبرها ما يقارب 30% من تجارة النفط البحرية العالمية، بينما تعتمد اقتصادات كبرى في آسيا وأوروبا على واردات الطاقة القادمة من هذه المنطقة بنسبة تتجاوز في بعض الحالات 60% من احتياجاتها النفطية. في ظل هذه المعادلة، فإن أي اضطراب طويل الأمد في أمن الملاحة أو الإمدادات النفطية لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى معدلات التضخم العالمية، واستقرار الأسواق المالية، وحتى سياسات الطاقة للدول الصناعية الكبرى.

لكن التداعيات الاستراتيجية للحرب تتجاوز البعد الاقتصادي لتلامس بنية النظام الدولي نفسه، فالصراع الجاري يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على دورها القيادي في النظام العالمي في وقت يتزايد فيه التنافس مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا. ففي الوقت الذي تقود فيه واشنطن العمليات العسكرية في المنطقة، تتابع بكين وموسكو الأزمة بحذر، مستفيدتين من أي تراجع في النفوذ الأمريكي لتعزيز حضورهما السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، وهو ما يظهر بوضوح في تنامي الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة والبنية التحتية في الخليج، والتي تجاوزت 400 مليار دولار خلال العقد الماضي، إضافة إلى توسع التعاون العسكري الروسي مع عدد من دول المنطقة.

بعبارة أخرى، فإن إطالة أمد الحرب واستمرار الصراع لفترة طويلة دون حسم واضح، قد يؤدي لإضعاف منظومة التحالفات التقليدية التي اعتمدت عليها واشنطن منذ نهاية الحرب الباردة، ويعزز في المقابل توجه العديد من الدول نحو تنويع شراكاتها الاستراتيجية بعيدًا عن الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة، بما يعزز التوجه العام نحو التعددية القطبية وتراجع الهيمنة الأمريكية، حيث تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية والتكنولوجية.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب ستنتهي قريبًا، بل كيف ستنتهي، وما هو الثمن الذي سيدفعه الشرق الأوسط والعالم نتيجة هذا الصراع. فكلما طال أمد المواجهة، ازدادت احتمالات تحولها من أزمة إقليمية إلى نقطة تحول تاريخية في موازين القوى الدولية.