حرب إيران: كاشفة للتحالفات وهشاشة المواقف الدولية
في خضم الصراع المحتدم بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، تبرز هذه الحرب التي دفعتها إسرائيل بقوة وورطت فيها إدارة ترامب، كحرب كاشفة لدول الخليج والإقليم بأكمله، حيث وجدت نفسها في مرمى النيران. كما أنها كشفت الموقف الأوروبي بوضوح، ومن بعيد، سلطت الضوء على مواقف روسيا والصين.
هشاشة التحالفات والشراكات الاستراتيجية
بعبارة أكثر عمقاً، فإن هذه الحرب كشفت هشاشة التحالفات السياسية والعسكرية، خاصة تلك الثنائية التي غالباً ما تُوصف بجاذبية مصطلح "الشراكة الاستراتيجية". هذا التعبير الذي يبدو مطمئناً ومخدراً للطرف الضعيف، هو في الحقيقة تعبير احتيالي ونفعي للطرف الأقوى. نعتقد أن العديد من دول الإقليم، حتى تلك التي لم تنخرط في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ستضطر إلى مراجعة جدوى مثل هذه الاتفاقيات الإنشائية التي تفتقر إلى الأساس المتين.
دور الولايات المتحدة وموقف الحلفاء الأوروبيين
دخلت الولايات المتحدة الحرب على إيران بتنسيق تفصيلي كامل مع إسرائيل، دون استشارة حلفائها التقليديين مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. اعتبرت واشنطن أن قواعد هذه الدول وحاملات طائراتها حق مباح متاح لها، بغض النظر عن رغباتهم. في الواقع، ترى هذه الدول أن الحرب غير شرعية، ولم تبادر إلى فتح قواعدها للمجهود الحربي الأمريكي. بل إن إسبانيا عارضت ورفضت، بينما عارضت بريطانيا ثم تراجعت، وهو تراجع سخر منه ترامب علناً، مؤكداً أنهم لن ينسوا موقف لندن وأنهم ليسوا بحاجة لأشخاص بعد تحقيق النصر.
الخليج العربي: حليف يدفع الثمن
على الجانب العربي، في منطقة الخليج، تعتبر الولايات المتحدة حليفاً رئيسياً يُفترض أنه يحمي الأمن والاستقرار لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث توفر قواعدها مظلة ردع قوية. ومع ذلك، في هذه الحرب، ابتز ترامب تلك الدول بحجج سقطت تماماً وسط الصراع، وفقدت أي معنى أو منطق. حلفاء أمريكا في الخليج يدفعون تكلفة حرب ليسوا طرفاً فيها، لأن الضربات الموجهة إلى إيران تنطلق أيضاً من قواعد في بلدانهم، مما يعرضهم للخطر.
تداعيات الحرب على الأمن القومي العربي
تتعرض دول الخليج للضربات الصاروخية والمسيرات الانتحارية بسبب قواعد عسكرية ترسخت لعقود لمنع الاعتداء على سيادتها، لكنها تحولت الآن إلى مبرر للعدوان في حرب فرضتها أمريكا لصالح نتنياهو. هذا الوضع جعل دول الخليج في موقف مربك، وكأنها تتلقى الضربات عوضاً عن إسرائيل. ليس غريباً أن يرى المراقبون الصورة كاشفة بل فاضحة، حيث تطلق أمريكا صواريخها الاعتراضية لحماية إسرائيل أكثر مما تفعل لحماية حلفائها العرب الذين دفعوا تريليونات الدولارات.
أسئلة مصيرية ومستقبل غير واضح
مع انكشاف الغطاء الأمريكي ووضوح أن هذه الحرب أداة للوهم التوراتي الإسرائيلي، بات من العاجل أن تستيقظ الأمة العربية لترتيب بيتها وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي. الصراع مفتوح، وحرب التدمير متواصلة، لكن كم من الوقت سيمضي قبل تحقيق أي هدف سياسي من هذه الحرب الأمريكية لحساب إسرائيل؟ حتى الكونجرس الأمريكي يتساءل مرتاباً عن وجود خطة واضحة لليوم التالي. هل تستطيع أمريكا إسقاط النظام في إيران دون غزو بري؟ وهل تدمير البنية العسكرية الإيرانية سيمنح إسرائيل الأمن المنشود؟
ثقة مهتزة ومستقبل غامض
ثم يأتي السؤال الوجودي: هل تبقى أدنى قدر من الثقة لدى دول الخليج في الولايات المتحدة، وخاصة في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المبرمج إسرائيلياً؟ وأخيراً، السؤال العبثي: هل يمكن الاعتماد على موسكو وبكين المتفرجتين؟ نتابع دوي الدمار وتداعيات العجز، في حرب كشفت حقائق مريرة عن التحالفات والمواقف الدولية.
