داعية إسلامي يطرح رؤية تجديدية للعلاقة بين القرآن والسنة
أكد الداعية والمفكر الإسلامي ياسر سلمي، في حديثه ببرنامج "كل الكلام" على قناة "الشمس"، أن القرآن الكريم يظل المرجعية العليا والأساس القطعي في الفهم الديني، مشددًا على أن أي رواية أو حديث يتصادم مع قطعي الثبوت من القرآن أو مع الحقائق العلمية الثابتة يجب أن يخضع للمراجعة العلمية الرصينة، وليس للتقديس غير المنهجي الذي قد يؤدي إلى خلل فكري خطير.
الأحاديث الظنية لا ترقى لمرتبة التنزيل الإلهي
وأوضح سلمي أن الدعوات المطالبة بمراجعة بعض متون الأحاديث لا تستهدف هدم السنة أو التشكيك في أئمتها، بل تنطلق من قاعدة علمية راسخة مفادها أن الأحاديث — بما فيها الواردة في صحيح البخاري — هي أحاديث آحاد وظنية الثبوت، ولا يمكن مساواتها بالقرآن الكريم القطعي الثبوت والدلالة. وأشار إلى أن الخلط بين قدسية الوحي وجهد البشر أوقع كثيرين في مأزق فكري خطر، جعل بعض الروايات تُقدَّم على النص القرآني نفسه، وهو ما وصفه بـ«الخلل المنهجي الكبير» الذي يحتاج إلى تصحيح.
حديث الشيخ والشيخة نموذج للتضارب مع بلاغة القرآن
واستشهد سلمي بما يُعرف بحديث «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما»، المنسوب إلى كونه آية منسوخة، معتبرًا إياه مثالًا واضحًا على التعارض بين بعض المتون وبين أسلوب القرآن وبلاغته. وأشار إلى أن مفكرين كبارًا، على رأسهم محمد عمارة، وصفوا هذا النص بأنه يفتقد تمامًا لجماليات البيان القرآني، بل شبَّهه بكلام مسيلمة الكذاب، وهو الرأي الذي أيَّده كذلك علي جمعة، مؤكدًا غياب «حلاوة القرآن» عن مثل هذه النصوص التي تثير الشكوك حول صحتها.
مكانة الإمام البخاري لا تعني إغلاق باب الاجتهاد
وضرب سلمي مثالًا علميًّا مقارنًا، موضحًا أن نيوتن كان عبقريًّا في عصره، ثم جاء آينشتاين وصحَّح بعض نظرياته دون أن يُنقص ذلك من قيمة نيوتن أو عبقريته، مشيرًا إلى أن الأمر ذاته ينطبق على الإمام البخاري. وأكد أن البخاري قدَّم جهدًا استثنائيًّا بأدوات عصره، لكن تجميد العقل المسلم عند حدود القرن الثالث الهجري دون إعمال العقل والقرآن بعد مرور أكثر من 14 قرنًا يُعد ظلمًا للعلم والدين معًا، ويحتاج إلى فتح باب الاجتهاد من جديد.
والدا النبي من أهل الفترة الناجين بحكم القرآن
وعن الجدل المتعلق بمصير والدي النبي ﷺ، شدد سلمي على أن الأحاديث التي تشير إلى وجودهما في النار تتصادم صراحة مع القاعدة القرآنية القطعية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وأوضح أن والدي النبي من «أهل الفترة» الذين لم تبلغهم دعوة، وبالتالي فهم ناجون بالفطرة والعدل الإلهي، مؤكدًا أن أي حديث يخالف صريح القرآن في هذه المسألة إما يُؤوَّل — كاعتبار لفظ «الأب» عائدًا على العم — أو يُرفض احترامًا لكلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
العلاقة بين القرآن والسنة كالذهب والعملة
وشبَّه سلمي العلاقة بين القرآن والسنة بعلاقة الذهب بالعملة الورقية؛ فالقرآن هو الأصل والقيمة الثابتة، والسنة وسيلة التعامل الضرورية، لكن وجود عملات مزيفة لا يعني حرق الثروة كلها. وأكد أن وجود أحاديث موضوعة أو مخالفة للعقل والعلم يستوجب «تنقية الصندوق» لا هدمه، محذرًا من الإصرار على روايات تتصادم مع الحقائق العلمية، مثل حديث «لولا بني إسرائيل ما خنز اللحم»، موضحًا أن فساد الطعام عملية بيولوجية لا علاقة لها بشعب أو عرق، مما يدل على ضرورة الفحص العلمي الدقيق.
ليس مع حذف البخاري بل مع الهوامش العلمية
واختتم سلمي حديثه برفض دعوات حذف الأحاديث من كتب التراث، معتبرًا ذلك اعتداءً على حق المؤلف والتاريخ العلمي، مقترحًا بديلًا علميًّا يتمثل في وضع هوامش نقدية توضيحية بجانب الأحاديث الإشكالية. وأشار إلى أن هذا الطرح يتسق مع ما أكده أحمد الطيب من أن «ليس كل ما صح سندًا صح متنًا»، معتبرًا هذه القاعدة مدخلًا ضروريًّا لتجديد الخطاب الديني وحماية الأجيال الجديدة من الإلحاد أو التطرف الناتج عن صدام النص مع العقل والواقع، مما يعزز فهمًا أكثر توازنًا وإشراقًا للإسلام.
