كيف تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها كأمة وسط؟ تحليل عميق لخطاب شيخ الأزهر
كيف تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها كأمة وسط؟

كيف تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها كأمة وسط؟ تحليل عميق لخطاب شيخ الأزهر

تحدث فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب عن خاصية الوسطية باعتبارها السمة الثانية لأمة الإسلام، حيث لم يكن يشرح معنى لغويًا عابرًا، بل كان يعيد توجيه الوعي إلى حقيقةٍ كبرى تتعلق بمكانة هذه الأمة ورسالتها في الوجود. فالوسطية التي قررها القرآن في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ليست منزلةً بين طرفين فحسب، وإنما هي ميزان العدل الذي به تستقيم الحياة، وبه تستحق الأمة أن تكون شاهدة على غيرها.

الوسطية كجوهر للعدل والأخلاق

بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الوسط هو العدل، مما جعل المعنى أخلاقيًا قبل أن يكون وصفيًا، لأن العدل هو جوهر الخيرية ومصدر الأفضلية. فالوسط ليس ضعفًا بين قوتين، ولا تسويةً بين الحق والباطل، بل هو الانحياز الدائم إلى الحق دون غلوٍّ يفسد أو تفريطٍ يضيع. ومن هنا فهم المفسرون قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أي أعدلهم، لأن العدل هو أعلى مراتب الرشد الإنساني، وهو الذي يجعل الأمة قادرة على الجمع بين الروح والمادة، وبين العبادة والعمران، وبين الثبات على القيم والانفتاح على الحياة.

الوسطية كوصف جماعي وليس فردي

غير أن القرآن حين وصف الأمة بالوسط لم يمنح صكَّ كمالٍ لكل فردٍ فيها، فذلك لم يقع لأمة من الأمم، وإنما أثبت وصف العدل لمجموعها الحضاري العام، أي لضميرها الكلي حين يجتمع، لا لأفرادها حين يخطئون أو يظلمون. وهذه الحقيقة ترفع عن المسلم وهم العصمة الفردية كما ترفع عنه اليأس من أمته بسبب انحراف بعض أبنائها، فالحكم على الأمم إنما يكون على اتجاهها العام ورسالتها الكبرى، لا على أخطاء أشخاصها.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أزمة الوعي بالوسطية في الواقع المعاصر

إذا تأملنا واقعنا أدركنا أن أزمة الأمة اليوم ليست فقدان النص ولا غياب القيم، وإنما غياب الوعي بمعنى الوسطية ذاته. فقد تحولت عند بعض الناس إلى تشدد يضيق بالحياة، وعند آخرين إلى تسيب يفرغ الدين من مضمونه، بينما الوسطية في حقيقتها بناءٌ متوازن للإنسان الذي يعبد الله بعقلٍ واعٍ، ويعمر الأرض بقلبٍ رحيم، ويزن الأمور بميزان الإنصاف لا باندفاع الهوى. وحين يغيب العدل يغيب معه دور الشهادة، فتفقد الأمة قدرتها على الإقناع الحضاري، لأن العالم لا يصغي إلى خطابٍ يناقضه الواقع.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

استعادة الوسطية كبداية للتغيير الجذري

إن استعادة معنى الوسطية ليست شعارًا فكريًا، بل بداية تغيير جذري في حياة الفرد قبل المجتمع؛ تبدأ حين يعدل الإنسان في حكمه على الناس، وينصف المخالف، ويجمع بين واجبات الدين ومسؤوليات الحياة، فيدرك أن رسالته ليست مجرد انتماء اسمي للإسلام، بل مشاركة واعية في حمل قيمه إلى العالم سلوكًا قبل كلام. فالأمة لا تعود إلى مركزها بقوة العدد ولا بارتفاع الصوت، وإنما حين يستعيد أبناؤها وعيهم بأنهم جزء من ميزان العدل الذي أراده الله شاهدًا على البشرية.

السؤال الحقيقي حول الوسطية اليوم

ولعل السؤال الأصدق اليوم ليس: هل ما زلنا أمة وسطًا؟ بل: إلى أي مدى نعيش هذا الوصف في واقعنا؟ فنحن أمة مُنحت الوسطية تكليفًا لا امتيازًا، ووعدًا مشروطًا بالعدل لا لقبًا دائمًا. فإذا عاد العدل إلى الفكر والسلوك والعلاقات، عادت للأمة قدرتها على الشهادة والهداية، واستعادت مكانها الطبيعي بين الأمم؛ لا أمةً تدّعي الأفضلية، بل أمةً تثبتها بالفعل حين تكون أقرب إلى الحق، وأرحم بالإنسان، وأعدل في ميزان الحياة.