التيار السلفي في مصر: كيف أعاد إنتاج نفسه في العصر الرقمي رغم الضغوط؟
شهدت مصر تحولات ضخمة خلال العقد الأخير، لاسيما في معركة الدولة مع التطرف، التي لم تعد مقتصرة على المواجهات الأمنية أو تفكيك البنى التنظيمية للجماعات المسلحة، بل امتدت إلى تفكيك البنية الفكرية التي تنتج هذا التطرف وتعيد تدويره بأشكال مختلفة. ومع ذلك، يبدو لافتًا أن الضربات التي طالت جماعة الإخوان وأذرعها التنظيمية، وانتهت إلى إحكام السيطرة على المنابر والمساجد، لم تؤثر بشكل واضح في تيار السلفية، التي أعادت بناء مواقع جديدة، وانتقلت زواياها إلى فضاء أكثر رحابة وتأثيرًا وهو المنصات الرقمية.
نقاط قوة التيار السلفي في مصر
يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عمرو فاروق: إن التيار السلفي لم يختفِ كما يتصور البعض، بل أعاد إنتاج نفسه خارج الأطر التقليدية. فبعد إغلاق معاهد إعداد الدعاة التابعة لجمعيات مثل أنصار السنة المحمدية والدعوة السلفية بقرار من وزارة الأوقاف عام 2015، اتجهت هذه التيارات إلى تأسيس أكاديميات غير رسمية تعمل عبر الإنترنت، مستفيدة من أدوات التعليم عن بعد ومنصات التواصل الاجتماعي.
ويضيف فاروق: إن الدولة سعت إلى ملء الفراغ عبر إنشاء كيانات تدريبية رسمية، مثل أكاديمية الأزهر الشريف لتدريب الأئمة وباحثي الفتوى وأكاديمية الأوقاف الدولية لتدريب الأئمة، بهدف تجديد الخطاب الديني وتنقية المفاهيم المرتبطة بالتراث. إلا أن ما يسميه الدكاكين الرقمية ظل يتحرك في مساحة رمادية يصعب ضبطها أمنيًا وقانونيًا.
وبحسب الباحث، فإن عددًا من الأكاديميات السلفية انتقل بالكامل إلى الفضاء الإلكتروني، مقدمًا برامج دراسية تبدأ بمستويات تمهيدية وتنتهي بدبلومات وإجازات شرعية غير معترف بها. ويشير إلى نماذج مثل:
- أكاديمية تبصرة للعلوم الإسلامية
- معهد بناء للدراسات الشرعية
- أكاديمية بيان للتأسيس الشرعي
إضافة إلى كيانات أخرى أسسها دعاة معروفون، من بينهم أبو إسحاق الحويني. ويؤكد أن هذه المنصات لا تكتفي بتدريس العلوم الشرعية وفق المنهج الوهابي، بل تطرح رؤى سياسية واجتماعية تؤسس لبيئة فكرية قابلة للانزلاق نحو التطرف.
خطورة استخدام التحول الرقمي في الاستقطاب السلفي
ويحذر فاروق من أن التحول الرقمي لم يكن مجرد وسيلة بديلة، بل أداة توسع جديدة، إذ تحولت المنصات إلى مساحات استقطاب ناعمة للشباب، عبر محتوى يجمع بين الدعوة والتنمية البشرية والتدريب الإعلامي، مع توظيف خطاب عصري يتناسب مع العولمة الرقمية. ويرى أن بعض المبادرات الدينية تحولت إلى أنشطة ذات طابع تجاري، ما أضفى على النشاط السلفي بعدًا اقتصاديًا يضمن استمراريته وانتشاره.
وفي قراءته للخريطة السلفية في مصر، يوضح فاروق أن التيارات تتنوع بين تقليدية وحركية ومستقلة، من بينها:
- مدرسة الإسكندرية المرتبطة بالشيخ ياسر برهامي
- أطياف أخرى تأثرت بأدبيات سيد قطب، لا سيما في ما يتعلق بمفاهيم الحاكمية وجاهلية المجتمع كما وردت في كتابه معالم في الطريق
ويشير إلى أن هذا التداخل الفكري أسهم تاريخيًا في خلق مساحات تماس بين السلفية التقليدية وبعض التنظيمات الجهادية التي نشطت في سوريا والعراق عقب أحداث 2011، ومنها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش.
ويختتم عمرو فاروق تصريحه بالتأكيد على أن المعركة الحقيقية لم تعد معركة سلاح فقط، بل معركة وعي، فالتنظيمات يمكن تفكيكها، لكن الأفكار إن لم تواجه بخطاب ديني رصين ومشروع وطني جامع، ستجد دائمًا طريقًا جديدًا للتمدد، سواء عبر منبر تقليدي أو شاشة هاتف محمول.