مجلس الشيوخ يناقش ضوابط التصوير: اختبار لميزان الثقة بين الدولة والصحافة
مجلس الشيوخ يناقش ضوابط التصوير وحرية الصحافة

نقاش ساخن في مجلس الشيوخ حول مستقبل حرية الصحافة في مصر

شهدت قاعات مجلس الشيوخ المصري، يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، جلسة نقاشية حادة حول مقترحات جديدة لتنظيم التصوير والنشر الصحفي. لم يكن النقاش مجرد مناقشة إجرائية روتينية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لميزان الثقة بين دولة الجمهورية الجديدة وبين مهنة الصحافة، التي يخشى البعض أن تظل أسيرة قيود التراخيص والموافقات المسبقة.

ياسر جلال: من حماية الخصوصية إلى تقييد الحريات

افتتح النائب والفنان ياسر جلال النقاش بمدخل عاطفي، مستنكرًا ما وصفه بتجاوزات بعض المنصات غير المهنية، مثل تصوير أقدام الممثلات، وتساءل: هل هذا عمل صحفي؟ ورغم نبل المقصد المعلن في حماية الحرمات والخصوصية، إلا أن منطقه واجه انتقادات لاذعة.

فمن الخطأ الجسيم أن يُبنى تشريع عام يقيد حرية الصحافة كلها بناءً على تجاوزات فردية أو سلوكيات صفراء لحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، لا تنتمي إلى الصحافة الحقيقية المؤسسية. كما أن عبارته المطاطية حول ضرورة أن يتم أي تصوير أو تسجيل "وفق إجراءات صحيحة"، قد تتحول إلى حصان طروادة يستخدم لمنع الصحفيين من توثيق أحداث في المجال العام، مثل مشاجرات أو حوادث إهمال، بدعوى عدم وجود إذن مسبق.

ناجي الشهابي: من نضال الحرية إلى دعوة التقييد

قدم النائب ناجي الشهابي مفارقة مؤلمة، حيث استدعى تاريخه النضالي في الدفاع عن الحريات، الذي كلفه السجن في الماضي، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الأمور "زادت عن حدها" اليوم. قوله بأن "ليس كل ما يُصوَّر يُنشر" يبدو كلمة حق يُراد بها باطل، إذ يطرح سؤالًا جوهريًا: من يقرر ما يُنشر؟ هل هو محرر الصحيفة بميثاقه المهني، أم رقيب بتصريح أمني؟

إن معالجة تجاوزات مثل واقعة "ميت عاصم" أو حالات التشهير، يجب أن تتم عبر آليات النقابة ومواثيق الشرف الصحفي، وليس عبر قوانين تقيد الجميع بالإذن المسبق، مما يعيد إنتاج سلطة أبوية على الفضاء العام.

صوت العقل: محمود مسلم يدافع عن الحصانة المهنية

في مقابل هذا التوجس، جاء صوت النائب محمود مسلم، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، كصوت للعقل والواقعية. أعلن مسلم بوضوح: "نحن ضد أي قيد على الصحافة"، ووصف عبقريته في القول: "الصحفي ليس على رأسه ريشة، لكن الكاميرا والقلم على رأسهم ريشة"، مما يلخص فلسفة الحصانة المهنية التي تحمي الدور وليس الشخص.

أكد مسلم أن الكاميرا في المجال العام هي عين المجتمع، تكشف الفساد والتجاوزات، وضمانة ضد سيطرة رواية واحدة. كما فرق بوضوح بين الخصوصية والعمل الصحفي في الأماكن العامة، قائلًا: "لو كل واحد هقوله هستأذنك أصورك، يبقى السادة الصحفيين هيقعدوا في البيت!"، وهو رد عملي على مثالية غير واقعية.

تحذيرات نقيب الصحفيين: الإذن المسبق كارثة

لم يتردد نقيب الصحفيين، خالد البلشي، في وصف المادة المقترحة (12) بأنها "كارثة"، محذرًا من تحول الصحافة إلى "صحافة الجنازات" إذا طُبقت. شدد البلشي على أن الإذن المسبق يعني المصادرة في لغة السياسة، ودعا بدلًا من ذلك إلى قانون لتداول المعلومات لمكافحة الشائعات.

وأضاف أن الدولة التي تخشى الكاميرا تترك فراغًا بصريًا تملؤه منصات خارجية، والحل ليس في المنع بل في الحرية، التي تجعل الصحافة الوطنية قوية وقادرة على مواجهة الروايات المفبركة.

الشفافية مقابل الحماية: علاقة جدلية

بينما تنشغل اللجنة بضوابط التصوير، تعلن الحكومة عن حزمة حماية اجتماعية بقيمة 40 مليار جنيه. هنا تبرز العلاقة الجدلية: كيف يثق المواطن في وصول هذا الدعم دون صحافة استقصائية ترصد وتوثق؟ وكيف تُحارب احتكارات السلع إذا كان تصوير المحتكرين يحتاج إلى إذن مسبق؟

الصحافة الحرة هي جهاز إنذار مبكر للدولة، والتضييق عليها في هذه اللحظة قد يكون انتحارًا سياسيًا. الشفافية تمنح الحزمة الاجتماعية مصداقيتها، والمجتمع الذي يرى محاسبة المسؤولين على تجاوزاتهم، يكون أكثر صبرًا وتفهمًا للأزمات.

خيار مصيري: إعلام معقم أم إعلام حي

إننا أمام لحظة اختيار مصيرية: هل نريد إعلامًا مُعقمًا يغرد في سرب رسمي، أم إعلامًا حيًا يكون شريكًا في البناء عبر النقد البناء وكشف العوار؟ الحرية ليست منحة، بل حق دستوري وضرورة وجودية، وتصوير أقدام الممثلات -رغم ابتذاله- لا يمكن أن يكون تكئة لهدم معبد الحرية.

كما قال محمود مسلم، فإن القلم والكاميرا على رأسهما ريشة، ليس تعاليًا، بل تشريفًا لمهنة البحث عن الحقيقة التي لا تقبل القسمة على إذن مسبق. اتركوا الكاميرات تعمل، والأقلام تكتب، فالوطن الذي يُرى بصدق، هو الوطن الذي ينجو بصدق.