السودان بين مخاوف التقسيم وتصاعد البنادق.. تحذيرات من مكافأة الدعم السريع
السودان بين مخاوف التقسيم وتصاعد البنادق

في خطوة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل 2023، تستضيف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، على مدى يومين، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية السودانية، برعاية الآلية الخماسية الدولية التي تضم الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيجاد).

ويأتي هذا الاجتماع، المنعقد اليوم الأربعاء، امتداداً للجهود التي أطلقتها الآلية خلال مؤتمر برلين الدولي في أبريل 2026، والذي استهدف التوصل إلى موقف سياسي مشترك بين الأطراف السودانية ووضع أسس لعملية انتقال سياسي سلمي تسهم في إنهاء الحرب. ويشارك في الاجتماع ممثلون عن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"، والكتلة الديمقراطية المساندة للجيش السوداني، إلى جانب تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" المرتبط بميليشيات الدعم السريع، فضلاً عن عدد من الفاعلين ومنظمات المجتمع المدني.

5 نقاط أساسية لتجنب التقسيم

يمثل الحفاظ على وحدة السودان وتجنب مزيد من التقسيم الجانب الأهم بالنسبة للقوى الداعمة للجيش السوداني، والتي أكدت على 5 نقاط أساسية:

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام
  • أولاً: أن يكون الحوار سودانياً خالصاً، ويقتصر دور الآلية الخماسية والمجتمع الدولي على تقديم الدعم وتيسير الحوار، دون أن يحل محل الإرادة الوطنية السودانية أو يتجاوزها.
  • ثانياً: رفض المساومة بين العدالة والسلام، بحيث لا يتم منح ميليشيات الدعم السريع أو تحالف "تأسيس" أي امتيازات تكون بمثابة مكافأة على جرائمها بحق الشعب السوداني، ومنها استهداف المدنيين، والهجمات على البنية التحتية، واغتصاب النساء، وجميعها جرائم ترقى إلى "جرائم الحرب".
  • ثالثاً: إجبار الميليشيات على وضع حد للاستهداف المتعمد للمدنيين، وضمان المرور الآمن لمن يبحثون عن الأمان، واتخاذ خطوات عاجلة لضمان العدالة والتعويض للضحايا والناجين.
  • رابعاً: التمسك بوحدة السودان باعتبارها "خطاً أحمر"، والتصدي لأي محاولات تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة أو إنشاء هياكل وسلطات موازية خارج الشرعية الوطنية.
  • خامساً: رفض أي دعوات لتشكيل حكومات موازية خارج السودان أو فرض ترتيبات سياسية من الخارج، مما يسهم في إطالة أمد النزاع.

انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار

تأتي المحادثات في توقيت شديد الحساسية، بعد يوم واحد من تقرير لمجلس الأمن الدولي أكد أن النزاع في السودان يتجه نحو مرحلة استنزاف طويلة، مما يعكس واقعاً ميدانياً منقسماً على نحو متزايد. وقال التقرير: لا توجد أي مؤشرات على تراجع حدة الحرب، في ظل تصعيد في ولايات دارفور وكردفان، وتوسع استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتطورة، وسط مخاوف من انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأوضح التقرير أن استمرار القتال أدى إلى مزيد من تفكك مؤسسات الدولة، التي كانت تعاني أصلاً من ضعف في الهياكل الإدارية والأمنية. كما لفت إلى أن المبادرات الإقليمية والدولية لم تحقق تقدماً ملموساً نحو وقف إطلاق النار أو إطلاق مسار سياسي قادر على إنهاء الحرب. وأضاف أن الانقسامات داخل مجلس الأمن ما زالت تعيق التوصل إلى مواقف موحدة بشأن حماية المدنيين وآليات المساءلة، رغم اتفاق الأعضاء على ضرورة وقف الأعمال القتالية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

تدهور الوضع الإنساني

وحذر مجلس الأمن من تدهور الوضع الإنساني في السودان على نحو غير مسبوق، مشيراً إلى أن 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 135 ألفاً يعيشون في ظروف كارثية. وأكد التقرير أن القيود الأمنية واللوجستية والإدارية ما زالت تعرقل وصول المساعدات إلى مناطق واسعة، خصوصاً في دارفور وكردفان، حيث يظل خطر المجاعة قائماً. وفي الجانب الحقوقي، وثق التقرير زيادة في الهجمات بالطائرات المسيرة، مشيراً إلى تقارير أممية تفيد بارتفاع عدد الضحايا المدنيين خلال الأشهر الأخيرة، إضافة إلى أضرار واسعة لحقت بالبنية التحتية المدنية.

أرقام صادمة بلا صدى

بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، يحتاج 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، ومن المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد هذا العام، كما أن 70% من المرافق الصحية معطلة. ومنذ اندلاع الحرب، اضطر نحو 14 مليون سوداني إلى الفرار؛ حيث لا يزال 9 ملايين منهم نازحين داخل السودان، بينما عبر 4.4 مليون شخص الحدود إلى دول مجاورة. واليوم، أصبح واحد من كل أربعة سودانيين نازحاً، وفق الأمم المتحدة؛ فيما أدت أعمال العنف التي تواصل ميليشيات الدعم السريع ممارستها في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، باستخدام القصف الجوي والطائرات المسيرة، إلى دفع مزيد من الأشخاص نحو الفرار.

ميليشيات الدعم السريع تستخدم العنف الجنسي كسلاح

على مدى أكثر من ثلاث سنوات، استخدمت ميليشيا الدعم السريع العنف الجنسي كسلاح للحرب، مما دفع الأمم المتحدة للإعلان في فبراير 2026 عن أن الوضع في مدينة الفاشر يحمل بصمات واضحة للإبادة على يد الميليشيا، مشددة على استمرار انتهاكات حقوق الإنسان، بما فيها العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، والتجنيد القسري، والاعتقالات التعسفية، والمجازر. ولا تزال النساء والفتيات يواجهن مخاطر متزايدة من العنف الجنسي والاستغلال، خاصة أثناء تنقلهن عبر المناطق غير الآمنة، وتواجه الناجيات عقبات كبيرة في الإبلاغ عن الحوادث والحصول على الخدمات الطبية والنفسية والقانونية.

وأعلنت شبكة أطباء السودان أواخر نوفمبر 2025 تسجيل 32 حالة اغتصاب مؤكدة خلال أسبوع واحد لفتيات من الفاشر وصلن إلى بلدة طويلة، مشددة على أن انهيار آليات العدالة خلق مناخاً يسوده الإفلات من العقاب على نطاق واسع.

أطفال نازحون بلا عائلات

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 58 ألف طفل سوداني وصلوا بمفردهم إلى الدول المجاورة، بعد انفصالهم عن عائلاتهم أثناء الفرار، وكثيراً ما وصلوا مصابين بجروح ويعانون من صدمات نفسية عميقة. ويضيف التقرير أن ملايين الأطفال قضوا ثلاث سنوات من طفولتهم في ظل النزوح، مما يخلف عواقب بعيدة المدى على مستقبلهم، ولم يتمكن معظمهم من الالتحاق بالمدارس إلا بشكل محدود للغاية أو حرموا من التعليم تماماً.

وتحذر الأمم المتحدة من أن القدرات الاستيعابية للدول المجاورة التي تستضيف الغالبية العظمى من اللاجئين السودانيين، ولا سيما تشاد ومصر وجنوب السودان، وصلت إلى نقطة الانهيار. ويأتي ذلك في وقت يتواصل فيه تدفق الوافدين من دارفور إلى تشاد، في حين يكافح جنوب السودان لتوفير الدعم للاجئين السودانيين، بالإضافة إلى ما يقرب من مليون مواطن جنوب سوداني عادوا إلى البلاد منذ أبريل 2023، وذلك في خضم أزمة متفاقمة يعيشها جنوب السودان نفسه.