تشهد الساحة اللبنانية تصعيدا عسكريا متسارعا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وأمنية تهدف إلى احتواء التوتر ومنع اتساع رقعة المواجهات. وتستمر الغارات الإسرائيلية والتحركات البرية في جنوب لبنان، بينما تُعقد مباحثات أمنية في واشنطن بمشاركة مسؤولين لبنانيين، وسط مخاوف إسرائيلية من أن تؤدي أي تفاهمات سياسية إقليمية إلى فرض وقف للعمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية.
خروقات إسرائيلية متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار
تواصلت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، عبر استمرار الغارات الجوية والقصف المدفعي، بالإضافة إلى توسيع التوغل البري وإصدار أوامر إخلاء للمواطنين في قرى الجنوب. وبحسب وسائل إعلام لبنانية، استمرت الغارات الجوية الإسرائيلية على الجنوب اللبناني، حيث استهدفت طائرة مسيّرة محيط مستشفى النبطية، كما استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي بلدة أنصار في الجنوب، واستهدفت غارة أخرى سيارة على طريق حبوش - دير الزهراني صباح السبت.
وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه تم إطلاق مقذوفات عدة من لبنان سقط أحدها في كريات شمونة شمالي إسرائيل. وأضاف بيان جيش الاحتلال: "رُصد عدد من المقذوفات التي أطلقت من لبنان باتجاه الأراضي الإسرائيلية، اعتُرض معظمها، وأُبلغ عن سقوط مقذوف واحد في منطقة كريات شمونة، ولم يبلغ عن وقوع إصابات". وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد صرّح بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي تقدّم إلى مواقع شمال نهر الليطاني في لبنان.
محادثات واشنطن بين لبنان وإسرائيل
يأتي هذا التوغل الإسرائيلي في وقت استضاف فيه الجيش الأمريكي ممثلين عسكريين إسرائيليين ولبنانيين في واشنطن، الجمعة الماضية، لمتابعة خطة توسطت فيها الولايات المتحدة الأمريكية لإحلال السلام بين البلدين ونزع سلاح حزب الله. وتهدف محادثات واشنطن أيضا إلى تعزيز وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في 16 أبريل، والذي لم ينجح في وقف القتال عبر الحدود، حيث تقصف الطائرات الحربية الإسرائيلية جنوب وشرق لبنان.
وفجر السبت، قالت وزارة الحرب الأمريكية إن وكيل وزارة الدفاع للشؤون السياسية، إلبريدج كولبي، استضاف الجمعة الماضية في مبنى البنتاجون وفدين عسكريين من إسرائيل وجمهورية لبنان، وذلك لتدشين المسار الأمني الداعم للمحادثات الجارية بين الدولتين. وأشارت إلى انخراط الوفدين في محادثات (عسكرية - عسكرية) مثمرة، ركزت على بناء أطر عملية للأمن والاستقرار الإقليمي. وأضاف البيان أن التطورات والنتائج الملموسة الناجمة عن هذه المناقشات ستشكل رافدا مباشرا للمسار السياسي الذي تقوده وزارة الخارجية، والمقرر استئناف جلساته الأسبوع المقبل.
وبحسب ما أعلنته واشنطن، يبدأ مسار أمني منفصل في "البنتاجون" بداية من 29 مايو بمشاركة وفود عسكرية من الجانبين، على أن تُستأنف المفاوضات السياسية في وزارة الخارجية الأمريكية يومي 2 و3 يونيو، لبحث ترتيبات وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وآليات الأمن في الجنوب.
توسيع العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان
أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبوع الماضي أنه وسّع عملياته البرية إلى ما وراء المنطقة الأمنية التي تحتلها قواته منذ 16 أبريل. وخلال زيارة إلى الحدود الإسرائيلية اللبنانية، قال نتنياهو إن القوات تقدمت أكثر من ذلك، متجاوزة نهر الليطاني الذي يقطع المنطقة من الشرق إلى الغرب لمسافة تقارب 30 كيلومترا في عمق جنوب لبنان. وأضاف نتنياهو في تصريحات أمام أفراد الجيش، وفقا لمقتطفات نشرها مكتبه: "عبرت قواتنا نهر الليطاني وتقدمت للسيطرة على مواقع"، متابعا: "نعمل في بيروت، وفي البقاع، على امتداد الجبهة بأكملها، ونوجه ضربة ساحقة لحزب الله". وأضاف: "نعمل أيضا في بيروت، وكذلك في البقاع، وعلى امتداد الجبهة بأكملها"، بحسب ما أوردت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
وتُعد التحركات الإسرائيلية في لبنان من أبرز تداعيات حرب إيران، إذ نزح أكثر من 1.2 مليون لبناني بسبب الضربات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء منذ الثاني من مارس، عندما أطلق حزب الله النار على إسرائيل دعما لحليفه طهران.
استشهاد أكثر من 3200 لبناني جراء الغارات الإسرائيلية
أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن إسرائيل استهدفت منذ ذلك الحين جنوب لبنان وشرقه والعاصمة بموجات قصف، مما تسبب في استشهاد أكثر من 3200 شخص، ويقول الاحتلال الإسرائيلي إن 23 من جنودها وأربعة مدنيين قُتلوا خلال الفترة ذاتها. وفي بداية العمليات العسكرية، أمر جيش الاحتلال الإسرائيلي السكان جنوب نهر الليطاني بالمغادرة. وأمر الجيش، الخميس الماضي، السكان جنوب نهر الزهراني - الذي يقع على بعد عشرة كيلومترات شمال الليطاني - بالإخلاء أيضا، وأعلن المنطقة منطقة قتال.
وفي تعليق على تقدم القوات البرية الإسرائيلية، قالت مصادر أمنية لبنانية إن القوات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني بالقرب من قرية زوطر الشرقية، الخميس الماضي، لكنها تراجعت إلى الضفة الجنوبية للنهر لاحقا. وأضافت المصادر أن القوات البرية عبرت نهر الليطاني مرة أخرى يوم الجمعة، مشيرة إلى أن هذا التقدم لم يكن كبيرا وأنه حدث عند نقطة شرقية على النهر قرب الحدود الإسرائيلية.
هآرتس: 100 غارة و100 عملية إسرائيلية في البقاع
أفادت صحيفة "هآرتس" عن تنفيذ ما يقارب 100 غارة و100 عملية عسكرية في البقاع والجنوب اللبناني خلال الأيام الأخيرة، فيما كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تخشى من أن يؤدي أي وقف لإطلاق النار في طهران إلى فرض وقف مماثل في لبنان، خاصة مع وجود بنود في مسودة الاتفاق بين طهران وواشنطن تتحدث عن وقف الأعمال العدائية على مختلف الجبهات. وتابعت أن إسرائيل تخشى من أن تؤدي المفاوضات والحلول السياسية إلى ضغوط أمريكية تُلزم الجيش الإسرائيلي بوقف عملياته العسكرية في الجنوب اللبناني، ولذلك تحاول تحقيق أكبر قدر من أهدافها العسكرية قبل أي اتفاق محتمل، بما في ذلك تنفيذ عمليات اغتيال، مثل العملية التي شهدتها الضاحية الجنوبية لبيروت مؤخرا، رغم وجود تحفظات أمريكية على تنفيذ مثل هذه العمليات داخل العاصمة اللبنانية.
من جانبه، قال الرئيس اللبناني جوزاف عون إنه تلقى اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، جرى خلاله بحث الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأضاف عون أن الاتصال شدد على ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.
وفي السياق ذاته، بحث الرئيس اللبناني جوزاف عون مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تطورات الأوضاع في لبنان وسبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار. فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال الاتصال، أن الإدارة الأمريكية ملتزمة بمواصلة مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، مؤكدا دعم بلاده لاستقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقه في تقرير مصيره. وأشاد روبيو بشجاعة ورؤية الرئيس عون في الدفع نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، رغم محاولات حزب الله عرقلة هذه المحادثات، على حساب الشعب اللبناني، وفق ما جاء في بيان نشرته الخارجية الأمريكية.



