تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، تذكار نياحة القديس العظيم مرتيانوس (مرتينيانوس)، أحد أبرز أعمدة الرهبنة والنسك في البراري القفرة. ترك هذا القديس إرثًا روحيًا حافلًا بانتصار الإرادة الإنسانية على مكايد الجسد وإغراءات العالم، في قصة تروي صراعًا مريرًا مع الشيطان والطبيعة.
من صومعة جبل السفينة إلى مواجهة الغواية
بدأت سيرة القديس مرتيانوس من مدينة قيصرية فلسطين، حيث نمت بذور قداسته منذ حداثته على يد شيخ وقور في جبل السفينة. هناك، سكب القديس حياته في جهاد نسكي صارم امتد لستة وستين عامًا، حتى غدت فضائله حديث الركبان. أثار ذلك حفيظة امرأة لعوب راهنت على إسقاط حصونه الروحية وتدنيس بتوليته.
تشير المصادر الكنسية إلى أن المرأة تسللت إلى صومعته تحت جنح الظلام متظاهرة بضلال الطريق، في ليلة تحولت إلى ملحمة روحية. ما إن كشفت عن زينتها وشرعت في مراودته، حتى أدرك القديس حجم المصيدة الشيطانية. في مشهد مهيب يجسد قهر الشهوة بالوجع، أضرم مرتيانوس نارًا وألقى بنفسه فيها مرارًا، مخاطبًا نفسه: "إن كنت لا تقدر أن تحتمل أوجاع حريق نار ضعيفة، فكيف إذن يمكنك أن تحتمل نار الجحيم؟".
من الهاوية إلى القداسة: توبة غيرت الموازين
كانت الدماء والشهادة الحية للألم كفيلة بزلزلة كيان المرأة؛ إذ تلاشت غوايتها أمام هول المشهد، وخرّت عند قدميه باكية تطلب الخلاص. قادها القديس برفق الأبوة نحو دير للعذارى، حيث تبدلت حياتها من طيش المادة إلى نسك الروح، وبلغت مرتبة رفيعة من القداسة، منّ الله عليها من خلالها بموهبة شفاء المرضى.
خوفًا من عواصف الغواية مجددًا، فرّ القديس مرتيانوس إلى جزيرة معزولة في عرض البحر، يقتات من عمل يديه عبر بحار يزوره دوريًا. غير أن الأقدار وضعت نسكه في اختبار آخر، حين انكسرت سفينة وقذفت الأمواج بامرأة ناجية إلى صخرته. أمام هذا الموقف، آثر القديس ترك الجزيرة للمرأة استجابة لرغبتها في الترهب، واهبًا إياها زاده، ومستودعًا حياته للأمواج بعد أن ألقى بنفسه في البحر مستعينًا بلوح خشب وعلامة الصليب.
الفصل الأخير: رحيل في حضن الكنيسة
طافت الأمواج بالقديس حتى ألقت به إلى البر، ليمضي عامين آخرين يجول البراري والقفار والمدن كغريب بلا مستقر، حتى حطت رحاله في إحدى الكنائس، حيث باح بقصته للكهنة قبل أن يسلم روحه بسلام في يد خالقها، ليدفن بإكرام جزيل يليق بمجاهد عظيم.
أما المرأة التي استوطنت الجزيرة، فقد عاشت تخدم الله في صمت وعزلة، يتعهدها البحار بالزاد، حتى تنيحت بسلام ونُقل جسدها الطاهر لتكرمه الأرض التي شهدت بطلان غوايتها أول مرة.



