أكد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف السابق، أن أبواب الخير تتسع في هذه الأيام بشكل غير مسبوق، مشددًا على ضرورة اغتنام الفرصة الذهبية المتمثلة في صيام يوم عرفة. وأوضح أن هذا اليوم يتفرد بخصيصة غابت عن سائر الأعمال الصالحة، حيث يكفر صيامه السنة الماضية والسنة الباقية المستقبلية، بينما صيام عاشوراء يكفر السنة الماضية فقط.
يوم عرفة بوابة المغفرة الشاملة
وناشد وزير الأوقاف السابق كل مسلم ومسلمة بالحرص التام على صيام هذا اليوم المبارك، ليكون بوابة عبور نحو مغفرة شاملة، يتبعها في يوم النحر تعظيم شعيرة الأضحية للمستطيع، باعتبارها أحب الأعمال إلى الله في يوم العيد، تجسيدًا للحديث النبوي: «ما عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ».
العادات النبيلة في العيد
وتحدث جمعة عن العادات النبيلة والفريدة التي جُبل عليها الشعب المصري، لا سيما في القرى والنجوع والمناطق الشعبية، حيث يتحول العيد إلى مظلة صلح شاملة لإنهاء الخصومات العامة والخاصة. وأشار إلى أن المنهج الإسلامي يضع خطة متدرجة لإشاعة الرحمة، تبدأ من النواة الأولى للمجتمع؛ وهي البيت، تطبيقًا لقوله ﷺ: «خَيرُكُمْ خَيرُكُمْ لِأَهْلِهِ». ويجب أن يبدأ التراحم واللين بين الزوج وزوجته وأبنائه أولاً داخل الجدران الأربعة، ثم يمتد إلى الدائرة الثانية وهي المحيط الاجتماعي، حيث تنطلق الرحمة بعد ذلك كأشعة مضيئة لتشمل العائلة، الأقارب، والجيران، ثم عموم الناس؛ تفعيلاً للحديث القدسي: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ [قطَعْتُهُ]».
صلة الأرحام الحقيقية
وفي سياق المحاكمة التربوية لبعض السلوكيات، فكك المبررات الواهية التي يسوقها البعض لقطع أرحامهم، مثل مقولة: "فلان لا يزورني فلن أزوره"، موضحًا أن النص النبوي حسم هذا الجدل واضعًا تعريفًا جديدًا للصلة الحقيقية: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»؛ فالمكافئ هو من يرد الزيارة بمثلها (واحدة بواحدة)، أما الواصل الحقيقي فهو الذي يمتلك شجاعة المبادرة بالخير.
مراتب التعامل الإنساني
وكشف عن مراتب التعامل الإنساني مع الآخرين، بناءً على التوجيهات القرآنية والنبوية، موضحًا أن المرتبة الأولى هي التكافؤ عبر رد التحية بمثلها أو أحسن منها، ورد الحسنة بالحسنة، وهي سلوك إنساني عام ومطلوب شرعًا لدوام المودة. أما المرتبة الثانية فهي المبادرة والصلة؛ وأن تصل من قطعك، وتبادر بالسؤال عمن جفاك وأعرض عنك، وثوابها نيل شرف الوصل الحقيقي والدخول في كنف ألطاف الرحمن. والمرتبة الثالثة هي الدفع بالتي هي أحسن؛ والإحسان لمن يؤذيك عمدًا (تصلهم ويقطعونك، وتحسن إليهم ويسيؤون إليك)، وثوابها كأنما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ويجعل الله لك ظهيرًا ونصيرًا، وتتحول العداوة إلى صَدَاقَة حميمة.
وأكد على أن هذه المراتب العليا وخاصة الدفع بالتي هي أحسن هي منازل الأنبياء والعظماء، لذا عقب الحق جل وعلا عليها بقوله: «وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»، وهي السلسلة الأخلاقية التي زكّى بها الله نبينا الكريم في كتابه قائلًا: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»؛ لتظل دعوة الإسلام الخالدة في العيد هي: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ الناسَ بخُلقٍ حسن».



