علاء عابد يكتب: بين معجزتين.. من السد العالي إلى الدلتا الجديدة
بين معجزتين.. من السد العالي إلى الدلتا الجديدة

يقول الله تعالى: (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ). في تاريخ الأمم، هناك مشروعات لا تُقاس بعدد الأفدنة أو المباني أو المليارات التي أُنفقت عليها، بل تُقاس بقدرتها على تغيير مصير الشعوب وإعادة رسم الجغرافيا والزمن والتحديات. وهنا يبرز مشروعان يمكن وصفهما بأنهما من أعظم معجزات الدولة المصرية في العصر الحديث، وهما «السد العالي» و«الدلتا الجديدة».

معجزة الجنوب: السد العالي

لقد مثّل السد العالي معجزة الجنوب التي أنقذت مصر من الجوع والعطش والفوضى المائية. جاء هذا المشروع في ستينات القرن الماضي في سياق تاريخي بالغ الصعوبة، حيث كانت مصر تخوض معركة الاستقلال الوطني وبناء الدولة الحديثة. كان النيل يتحكم في حياة المصريين بشكل كامل؛ فيفيض عاماً فيُغرق القرى والأراضي، ويشح عاماً فتتسع دائرة الجفاف والمجاعة. وكان بقاء الدولة مرهوناً بالسيطرة على النهر وتنظيم المياه وتوفير الكهرباء اللازمة للتنمية الصناعية والزراعية.

يُعد مشروع السد العالي من أعظم تجليات الإرادة الوطنية في القرن العشرين. لم يُبنَ بالحجارة والخرسانة وحدها، بل بُني بعرق المصريين وإيمانهم بأنه معركة وجود من أجل الماء والغذاء والكهرباء والاستقلال. تحول من فكرة مستحيلة إلى حقيقة غيّرت وجه الوطن. ولم يجد الشعر أصدق من كلمات الراحل عزيز أباظة، ولا وجد الوجدان المصري أعمق من صوت سيدة الغناء أم كلثوم، ليعبرا عن تلك اللحظة التاريخية الخالدة حين قالت: «كان حلماً فخاطراً فاحتمالاً... ثم أضحى حقيقةً لا خيالاً... عملٌ من روائع العقل جئناه بعلمٍ... ولم نجئه ارتجالاً... إنه السدُّ فارقبوا مولد السد... وابتهوا بيومه الأجيالا».

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

معجزة العصر: الدلتا الجديدة

واليوم، وبعد 66 عاماً، تجد مصر نفسها أمام تحدٍّ تاريخي جديد لا يقل خطورة عن تحديات الماضي. يعيش العالم تحولات غير مسبوقة من حروب دولية وأزمات اقتصادية واضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع هائل في أسعار الغذاء، إلى جانب التغيّرات المناخية وشح المياه وتراجع الأراضي الزراعية في كثير من دول العالم. هذا يظهر أن الدول التي لا تمتلك أمنها الغذائي ستبقى رهينة للضغوط والأزمات العالمية.

من هنا يمكننا فهم مشروع «الدلتا الجديدة» كامتداد تاريخي لفكرة «السد العالي»، ولكن بأدوات العصر الحديث وتحدياته. فإذا كان السد العالي قد حمى النيل، فإن الدلتا الجديدة تحمي المستقبل الغذائي لمصر. وإذا كان مشروع «الجنوب» قد واجه معركة الماء، فإن معجزة «الدلتا» تواجه معركة البقاء في عالم يتجه نحو صراعات الغذاء والطاقة والموارد.

مشروع «الدلتا الجديدة» يعكس رؤية استراتيجية شاملة لإعادة رسم الخريطة الزراعية المصرية من خلال استصلاح ملايين الأفدنة واستخدام أحدث تقنيات الري والزراعة وإنشاء مجتمعات عمرانية وإنتاجية متكاملة قادرة على استيعاب الزيادة السكانية وتوفير فرص العمل وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الأمن الغذائي كأمن قومي

دول العالم الآن بدأت تعيد النظر في مفهوم الأمن القومي. لم تعد القوة العسكرية وحدها هي معيار النفوذ والاستقرار، بل أصبحت القدرة على توفير الغذاء والمياه والطاقة جزءاً أساسياً من معادلة القوة الدولية. ولهذا تتسابق الدول الكبرى للسيطرة على سلاسل الغذاء العالمية وتأمين احتياجات شعوبها من الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية.

«الدلتا الجديدة» مشروع يتجاوز حدود الزراعة التقليدية ليصبح مشروع حماية للدولة المصرية من تقلبات العالم القادم. فحين تنتج الدولة غذاءها، فإنها تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي بشكل أكبر وتُقلل من هشاشتها أمام الأزمات الدولية. وهذا ما يمنح المشروع بُعده الاستراتيجي الحقيقي.

قائدان وعهدان

وقد ارتبطت كل واحدة من هاتين المعجزتين باسم قائد أدرك طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية في عصره. فالرئيس الراحل جمال عبدالناصر لم ينظر إلى السد العالي باعتباره مجرد مشروع هندسي لتخزين المياه أو توليد الكهرباء، بل رآه مشروعاً للتحرّر الوطني وبناء الدولة الحديثة، في وقت كانت فيه مصر تخوض معركة الاستقلال السياسي والاقتصادي. فجاء السد العالي ليُجسد إرادة دولة تريد أن تتحكم في نهرها وقرارها ومستقبلها، بعيداً عن الضغوط الخارجية.

أما الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي فقد جاء في مرحلة مختلفة تماماً، حيث تواجه فيها مصر تحديات من نوع جديد تتعلق بالأمن الغذائي والزيادة السكانية والتغيّرات المناخية والأزمات الاقتصادية العالمية، واضطراب سلاسل الإمداد الدولية. من هنا جاءت رؤية «الدلتا الجديدة» باعتبارها مشروعاً استراتيجياً لحماية مستقبل مصر الغذائي والزراعي وإعادة توسيع الرقعة الزراعية للدولة وفق أحدث نظم التكنولوجيا والري الحديث.

لقد لخص المؤرخ الإغريقي «هيرودوت» فلسفة الحضارة المصرية القديمة بأن وجود الدولة واستقرارها قائم على استثمار مياه النيل وتحويلها إلى زراعة وحياة وغذاء، فقال عبارته الشهيرة: «مصر هبة النيل». واليوم، تؤكد مصر أن هذه الهبة ليست مجرد ماضٍ، بل مستقبل يُبنى بإرادة وتخطيط وعمل دؤوب.