في زحام الأخبار اليومية، وبين معارك وسائل التواصل الاجتماعي التي تشتعل لأيام حول قضايا تافهة ثم تخمد بلا أثر، تمر أحيانًا قصص حقيقية قادرة وحدها على إعادة تعريف معنى الأمل، لكن أحدًا لا ينتبه. هذه هي قصة الشاب المصري مصطفى مبارك، ابن مدينة الإسكندرية، الذي سافر إلى أمريكا وفي جيبه ألف دولار فقط. لم يكن يحمل واسطة، ولا ضجيجًا إعلاميًا، ولا لجانًا إلكترونية تصنع منه بطلًا من ورق، بل كان يحمل فقط عقلًا يريد أن يتعلم وإرادة تعرف ماذا تريد.
بداية الرحلة: من الإسكندرية إلى أمريكا
في أيامه الأولى بأمريكا، لم يختبئ مصطفى خلف خوف اللغة أو رهبة الغربة. كان يتجول في الشوارع ويتحدث مع الغرباء فقط ليحسن لغته الإنجليزية. داخل السكن الجامعي، اشترى طبقًا من الشيكولاتة ووزعه على زملائه ليصنع صداقات في بلد لا يعرف فيه أحدًا. تصرف بسيط، لكنه يكشف عقلية تعرف أن النجاح ليس شهادة فقط، بل قدرة على الاندماج وبناء العلاقات والثقة بالنفس.
إنجاز أكاديمي استثنائي
وبعد أربع سنوات فقط، وقف مصطفى على منصة جامعة كنتاكي الأمريكية العريقة أمام عشرين ألف شخص وسط تصفيق الأساتذة والطلاب، بعدما حصل على ثلاث شهادات بكالوريوس دفعة واحدة في هندسة الكهرباء، وهندسة الحاسوب، وعلوم الحاسوب. ولم يتوقف عند التفوق الأكاديمي، بل أسس شركة لتحويل الصور إلى مجسمات ثلاثية الأبعاد باستخدام أحدث التقنيات، واختارته الجامعة ليلقي الكلمة الرئيسية في حفل التخرج باعتباره نموذجًا للتميز والقيادة.
كم مصطفى مبارك يعيش بيننا الآن؟
هنا يجب أن نتوقف طويلًا أمام السؤال الأهم: كم مصطفى مبارك يعيش بيننا الآن ولم يكتشفه أحد بعد؟ كم شابًا مصريًا يملك عقلًا استثنائيًا لكنه محاصر بالفقر أو الإهمال أو غياب الفرصة أو انشغال المجتمع بمعارك لا قيمة لها؟ كم فتاة مصرية قادرة على ابتكار دواء أو برنامج أو اختراع أو مشروع تكنولوجي يغير حياة الملايين، لكن أحدًا لم يمد يده لاحتضان موهبتها؟ وكم عبقريًا صغيرًا مات حلمه مبكرًا لأن المجتمع كله كان منشغلًا بتفاهات الترند؟
خلل في ترتيب الأولويات
المؤلم ليس فقط أن الإعلام لم يمنح قصة مصطفى ما تستحقه من اهتمام، بل أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تستطيع أن تصنع من أي شخص تافه نجمًا، مرت على قصة كهذه مرورًا عابرًا. نحن أمام خلل حقيقي في ترتيب الأولويات: أصبح الصاخب أهم من المهم، والتافه أكثر انتشارًا من الملهم، بينما النماذج التي تصنع الوعي والقدوة تُترك في الظل.
دعوة للاستثمار في العقول
ما الذي يمنع أن تتحول قصص مثل مصطفى مبارك إلى مشروع قومي للأمل؟ لماذا لا تتبنى الجامعات ورجال الأعمال والدولة والإعلام هؤلاء النوابغ مبكرًا؟ لماذا لا يتم إنشاء صناديق حقيقية لرعاية الموهوبين في العلوم والهندسة والذكاء الاصطناعي والطب والتكنولوجيا؟ أليس العقل البشري هو الثروة الحقيقية لأي دولة تريد النجاة؟ العالم كله اليوم يُدار بالعقول، لا بالموارد فقط. شركات ناشئة صغيرة بدأت داخل غرف طلاب جامعات أصبحت تساوي ميزانيات دول. اختراع واحد قد يدر مليارات الدولارات. دواء جديد قد يغيّر اقتصاد دولة. تقنية مصرية خالصة قد تفتح أبوابًا من القوة والهيبة والرفاهية.
الإنسان المصري هو الثروة الحقيقية
بل إن أخطر ما نملكه ليس البترول ولا الغاز، بل الإنسان المصري حين يجد من يؤمن به. الحكومات تتغير، والأزمات الاقتصادية تتكرر، والديون تخنق الدول، لكن الدول التي تراهن على العلم دائمًا تجد طريقها للخروج. أما الدول التي تستهلك طاقتها في الجدل العقيم، والجباية، وإثارة القضايا الهامشية، فإنها تستهلك مستقبلها ببطء. ليس معقولًا أن يصبح التفكير في كيفية تحصيل المزيد من المواطن أسهل من التفكير في كيفية صناعة عبقري جديد. وليس طبيعيًا أن ننشغل كل يوم بقضايا تثير التوتر والشك والاحتقان، بينما نهمل قصصًا تستطيع أن تبعث الثقة في جيل كامل يشعر أحيانًا أن النجاح أصبح مستحيلًا.
رسالة أمل وتحذير
قصة مصطفى مبارك ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل جرس إنذار ورسالة شديدة الوضوح: مصر لا ينقصها الذكاء، بل ينقصها الاكتشاف والرعاية والإيمان بالعقول. وربما السؤال الذي يجب أن يؤلمنا جميعًا: كم مصطفى آخر سيضطر للهجرة حتى يجد من يراه؟ وكم حلمًا سنخسره قبل أن ندرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في الإنسان؟ متى نفيق يا مصر؟



