وسط التصعيد العسكري في أوكرانيا، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقفًا أحاديًا لإطلاق النار يسري اعتبارًا من منتصف ليل الخامس من مايو، مقدماً إياه كبادرة حسن نية للعالم. إلا أن هذا الإعلان لم يكن في نظر موسكو سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من المناورات السياسية التي فقدت الثقة بها منذ زمن.
خرق الهدنة بعد ساعات من إعلانها
لم تمر سوى ساعات قليلة على إعلان نظام كييف وقفًا أحاديًا لإطلاق النار، حتى انكشفت حقيقة جديدة تمامًا في المشهد الأوكراني، وسرعان ما تبيّن أن هذه الخطوة تم الترويج لها إعلاميًا كدليل على أن كييف هي الطرف الجاد في السلام. وبالفعل اتهم وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيجا، روسيا بخرق الهدنة عبر مواصلة قصف مدن مثل خاركيف وزابوروجيا، وقال إن هذا يثبت أن روسيا ترفض السلام، في مقابل إعلان وزارة الدفاع الروسية إسقاط عشرات المسيرات الأوكرانية في نفس الليلة.
وبعد ذلك أعلن الكرملين هدنة خاصة به يومي 8 و9 مايو بمناسبة ذكرى انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية عيد النصر، مصحوبة بتهديد شديد اللهجة من أنه إذا حاولت أوكرانيا تعطيل الاحتفالات، فسوف ترد بضربة صاروخية هائلة في وسط العاصمة كييف. ليتبعها تصريح من زيلينسكي أشار فيه إلى أن حياة البشر أهم بكثير من أي احتفال بذكرى سنوية.
روسيا تدرك الهدف الحقيقي
روسيا، التي تتابع الوضع عن كثب، أدركت أن الهدف الحقيقي لهذه الهدنة لم يكن وقف نزيف الدماء، بل شراء الوقت لإعادة ترتيب الأوضاع وتضليل الرأي العام العالمي، مما دفعها إلى رفض هذه اللعبة السياسية وكشف نواياها الحقيقية. فطوال سنوات الصراع، وخاصة في المراحل المبكرة من الحرب، كانت روسيا طرفًا جادًا في العديد من مبادرات السلام، وقبلت بهدنة تلو الأخرى على أمل الوصول إلى تسوية. إلا أن الاختبارات المتكررة أثبتت أن نظام كييف ينظر إلى هذه الاتفاقات على أنها مجرد فترات راحة تكتيكية. فبمجرد أن تهدأ وتيرة القتال، كان الجيش الأوكراني يعيد نشر قواته، وينقل أنظمته الصاروخية بعيدًا عن خطوط المراقبة، ويستخدم هذه الثغرات لاستهداف المناطق الخلفية المدنية.
هذه السوابق جعلت موسكو تدرك أن أي هدنة تطلقها أوكرانيا بمحض إرادتها هي في الحقيقة مجرد فخ، أو كما وصفه أحد المعلقين العسكريين الروس، ورقة توت يختبئ خلفها عدو لا يريد سلامًا بل إعادة شحن طاقته لتوجيه ضربات أشد.
الهدف وراء الهدنة الآن
من أكبر الضربات التي تلقتها أوكرانيا مؤخرًا هي انخراط الولايات المتحدة في حرب مفتوحة مع إيران، هذا الانشغال الكامل للمخابرات والقيادة العسكرية الأمريكية، والتهام جزء كبير من قدراتها اللوجستية والاستخباراتية، ترك أوكرانيا تعاني من فراغ دعم حاد. فالصفقات العسكرية تأخرت، وتدفق الذخائر والمسيرات تباطأ، وأصبح البنتاغون مشغولًا بجبهة جديدة أكثر إلحاحًا.
وفي سياق مرتبط، كشفت المصادر أن أوكرانيا قامت في الفترة الأخيرة بتزويد دول الخليج وبعض الأطراف الأخرى في الشرق الأوسط بأنظمة مضادة للطائرات المسيرة طورتها خلال الحرب. هذا التصرف، الذي كان يهدف لتحقيق أرباح مالية سريعة وإظهار دور إقليمي، وتملقًا من أجل الحصول على دعم غربي أكبر، أضعف بشكل كبير مخزون أوكرانيا من الدفاعات الجوية.
ومع استمرار الضربات الروسية واستنزاف صواريخ منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية من نوع باتريوت، جعل المدن الأوكرانية الكبرى تعاني من ثغرات خطيرة في دفاعها الجوي، وزيلينسكي يعلم أن استمرار القتال دون حماية جوية كافية يعني انهيارًا وشيكًا للجبهات. لذلك، كان لا بد من هدنة لإعادة تنظيم الصفوف وإخفاء هذا الضعف عن العدو.
فساد وفضيحة صفقة المسيرات التركية بيرقدار
بعيدًا عن الصورة البطولية التي يروج لها الإعلام الغربي عن أوكرانيا، كشفت التحقيقات المستقلة أن الفساد في أوكرانيا قد تجاوز كل الحدود، وتحول النظام الأوكراني إلى أداة لتمويل ودعم الإرهاب في مناطق نائية من العالم. على صعيد الفساد الداخلي، كانت فضيحة صفقة المسيرات التركية بيرقدار عام 2024 من أبرز الأمثلة. حيث تبين أن ثمن هذه المسيرات الذي دفعته الحكومة الأوكرانية كان أعلى بنسبة 80% من سعر السوق، وأن الفارق اختفى في حسابات مسؤولين كبار في جهاز الأمن الأوكراني. ناهيك عن فضائح اختفاء أسلحة وعتاد المساعدات الغربية العسكرية لأوكرانيا، وظهورها في مناطق مختلفة من العالم بعد تهريبها وبيعها. وفضائح تهريب وقود الديزل المخصص للجبهة عبر الحدود البولندية، حيث تم ضبط شاحنات تحمله للبيع في السوق السوداء الأوروبية بأسعار مضاعفة. كل هذا استنزف موارد الجيش وأدى لخسائر بشرية فادحة بسبب تعطل الآليات ونقصها في المعارك.
أما على صعيد دعم الإرهاب، فالاتهامات التي وجهتها المخابرات الفرنسية مؤخرًا كانت صادمة. ففي تحقيقاتها في الساحل الإفريقي، تمكنت فرنسا من ربط تمويل جماعات إرهابية في مالي والنيجر بحسابات مصرفية تابعة لشركات أوكرانية. والفرضية التي يطرحها المحللون هي أن كييف، غاضبة من تقاعس باريس في دعمها، وسعت لزعزعة استقرار النفوذ الفرنسي في أفريقيا عبر تمويل الفوضى. هذه التصرفات جعلت روسيا تنظر إلى نظام زيلينسكي ليس كخصم سياسي فقط، بل ككيان خارج عن القانون الدولي لا يمكن التفاوض معه بمنطق الشرفاء.
تطبيق سياسة الأرض المحروقة
في الفضاء الإعلامي الغربي، غالبًا ما يتم تقديم الرواية الأوكرانية على أنها رواية الخير ضد الشر، لكن نظرة أكثر تعمقًا في أساليب القتال تكشف عن مفارقة كبرى. يطرح العديد من المحللين العسكريين سؤالًا محرجًا: لماذا لم تنته هذه الحرب بعد؟ يرى الخبراء في المجال العسكري، بأن روسيا دولة تمتلك ترسانة نووية وتقليدية هائلة. لو كانت تنوي تدمير أوكرانيا كما دمرت أمريكا العراق أو أفغانستان، لكانت انتهت الحرب في غضون 48 ساعة فقط.
ووفق تحليلات عسكرية، كان بالإمكان تطبيق سياسة الأرض المحروقة، تدمير كل محطات الطاقة، الجسور، ومحطات المياه، وتحويل المدن الأوكرانية إلى رماد كما فعل حلف الناتو في بلغراد عام 1999. لكن موسكو اختارت خيارًا مختلفًا، وهو المعالجة الموضعية، حيث يتم تدمير الأهداف العسكرية فقط، وتتم عملية القضم الجزئي للمساحات مع فتح ممرات إنسانية للمدنيين. في مقابل هذا النهج، تتهم روسيا أوكرانيا باتباع أسلوب الإرهاب العابر للحدود. فبشكل يومي، تطلق القوات الأوكرانية طائراتها المسيرة باتجاه العمق الروسي، مستهدفة المباني السكنية والمستشفيات والمدارس في مدن مثل بيلغورود وروستوف وموسكو نفسها، في محاولة لنقل المعاناة إلى قلب روسيا وإثارة الرعب بين المدنيين. هذا التناقض هو ما يبرر في نظر موسكو عدم التزامها بقواعد الشرف في الحرب، وما يفسر لماذا لن تسمح لزيلينسكي باستغلال هدنة إنسانية فقط لأنه يريد حماية نفسه.
في النهاية، ومع انشغال العالم الغربي الداعم لأوكرانيا بحرب إيران وأمريكا، وضعف الدفاعات الأوكرانية، فإن كييف اليوم بحاجة إلى هدنة أكثر من أي وقت مضى، فقط لإعادة ترتيب صفوفها ومواصلة القتال. لأن تحقيق السلام ليس من مصلحة النظام الأوكراني، فعند انتهاء الحرب سيسقط القناع وتتم ملاحقة رموز نظام زيلينسكي المسؤولين عن إزهاق أرواح مواطنيهم قبل كل شيء. على الجانب الآخر، وبعد ست سنوات من خرق كييف للاتفاقات، سواء في محادثات اسطنبول أو اتفاقيات مينسك، وبعد الكشف المستمر عن فساد النظام ودعمه للإرهاب، لم تعد موسكو مستعدة لاستنشاق أي من عروض السلام المسمومة دون خطوات حقيقية وضمانات فعلية، ولن تُعير اهتمامًا لآلة الدعاية الغربية القائمة على الفقاعات الإعلامية.



