القومي لحقوق الإنسان يقترح إصلاحات جذرية في قانون الأحوال الشخصية
القومي لحقوق الإنسان يقترح إصلاحات جذرية في الأحوال الشخصية

نظم المجلس القومي لحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، حلقة نقاشية بعنوان "نحو قانون للأحوال الشخصية يحقق العدالة ويدعم الروابط الأسرية"، والتي تتناول إعادة بناء فلسفة التعامل مع قضايا الأحوال الشخصية بشكل كامل. وتركز الحلقة على الانتقال من منطق إدارة الطلاق باعتباره نزاعًا قضائيًا بين طرفين متخاصمين، إلى منطق مختلف يقوم على اعتباره حالة تحتاج إلى تنظيم علاقة رعاية مشتركة مستمرة بين الأبوين بعد الانفصال، مع وضع مصلحة الطفل في مركز الاهتمام الأول والأساسي.

أبرز ملامح المقترح كما وردت في الورقة المفاهيمية

ترتكز الورقة المفاهيمية التي ناقشتها الفعالية على إعادة تعريف العلاقة بين الوالدين بعد وقوع الطلاق، بحيث لا تنتهي العلاقة بينهما عند الانفصال، وإنما تتحول إلى علاقة تعاون مستمر تهدف إلى المشاركة في تربية الأبناء ورعايتهم، بدلًا من أن تتحول هذه المرحلة إلى ساحة نزاع قضائي مفتوح يؤثر سلبًا على جميع الأطراف، وبالأخص الأطفال.

توحيد مسار التقاضي من خلال نظام القاضي الواحد

ودعت الورقة إلى تبني آلية "القاضي الواحد" الذي يتولى الفصل في جميع ما يتعلق بتبعات الطلاق في حكم قضائي واحد شامل، يشمل مسائل النفقة والحضانة وتنظيم الرؤية أو التواصل، وذلك بهدف تقليل تشتت القضايا أمام المحاكم، وتسريع إصدار الأحكام، والحد من طول أمد النزاعات القضائية التي قد تمتد لفترات طويلة وتزيد من تعقيد الأوضاع الأسرية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

استبدال نظام الرؤية التقليدي بنظام الاستضافة

وتضمنت الورقة المفاهيمية تغييرًا جوهريًا في آلية تنظيم تواصل الطفل مع الطرف غير الحاضن، من خلال استبدال نظام "الرؤية" التقليدي بنظام "الاستضافة"، بحيث يُسمح للطفل بقضاء فترات أطول مع الطرف غير الحاضن، بما يعزز من عمق العلاقة الأسرية ويمنح الطفل فرصة أكبر للتواصل الطبيعي مع كلا الوالدين، مع الإشارة إلى أهمية تفعيل دور الأجداد ضمن هذا الإطار. وفي الوقت نفسه، يشدد المقترح على ضرورة وضع ضمانات قانونية صارمة لضمان التزام الأطراف، بما في ذلك تطبيق عقوبات جزائية وإجراءات احترازية مثل منع السفر في حال الإخلال بالالتزامات، وذلك لضمان إعادة الطفل في المواعيد المحددة دون نزاع.

إعادة تنظيم الولاية التعليمية للطفل بعد الطلاق

وسعت الورقة من خلال مقترحاتها إلى معالجة أحد أبرز مصادر النزاع بعد الانفصال، وهو ملف التعليم، من خلال اقتراح جعل الولاية التعليمية مشتركة بين الأبوين أو إسنادها تلقائيًا إلى الحاضن، بهدف منع تعطّل المسار الدراسي للأطفال نتيجة الخلافات المستمرة بين الوالدين، وضمان استقرار العملية التعليمية وعدم تأثر الطفل بالنزاع الأسري.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

إعادة النظر في نظام الحضانة بما يراعي مصلحة الطفل

ودعت الورقة إلى إعادة تقييم ترتيب الحضانة التقليدي، بحيث تكون المصلحة الفضلى للطفل هي المعيار الأساسي في تحديد الحاضن، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية الحفاظ على دور فاعل للأب في حياة أبنائه، وعدم تهميشه بعد الطلاق، بل إدماجه في منظومة الرعاية والتربية بشكل مستمر ومنظم.

إنشاء صندوق لضمان صرف النفقة بشكل فوري

وتبنت الورقة مقترح تفعيل دور "صندوق تأمين الأسرة" بحيث يتولى صرف مبالغ النفقة المستحقة بشكل فوري بمجرد صدور الأحكام القضائية، على أن تتولى الدولة بعد ذلك مهمة تحصيل هذه المبالغ من الطرف الملزم قانونًا بالدفع. ويهدف هذا النظام إلى حماية الأطفال من أي آثار سلبية قد تنشأ نتيجة تأخر تنفيذ أحكام النفقة أو الدخول في نزاعات مالية طويلة.

تفعيل الوساطة الأسرية قبل اللجوء إلى القضاء

في إطار تقليل النزاعات المعروضة أمام المحاكم، أكدت الورقة على أهمية تفعيل مراكز الوساطة والمصالحة الأسرية، بحيث يتم إخضاع الطرفين لجلسات دعم نفسي واجتماعي ومحاولات للتسوية الودية قبل الوصول إلى مرحلة التقاضي، مع اقتراح إعداد "خطة رعاية" تكون ملزمة قانونيًا، تحدد بوضوح أدوار كل طرف في مرحلة ما بعد الانفصال.

تحقيق التوازن في الحقوق بين الرجل والمرأة

تطرقت الورقة إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حقوق الطرفين بعد الطلاق، حيث ينص على ضمان حصول المرأة على سكن مناسب ونفقة عادلة تراعي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مع الاعتراف ببعض الحقوق الاقتصادية مثل "الكد والسعاية" في حالات معينة. وفي المقابل، يؤكد المقترح على ضرورة تمكين الأب من أداء دور تربوي حقيقي في حياة أبنائه، بدلًا من حصر دوره في الالتزامات المالية فقط، مع تسهيل إجراءات التواصل والرؤية والاستضافة بطريقة أكثر إنسانية ومرونة.

الرؤية العامة للورقة المفاهيمية

يخلص معدّو الورقة إلى أن الهدف الأساسي من هذه التعديلات ليس تمكين طرف على حساب طرف آخر، ولا تحويل الطلاق إلى ساحة انتصار أو هزيمة، وإنما الحفاظ على كيان الأسرة واستمراريته في صورته الممكنة حتى بعد الانفصال. ويؤكدون أن أي نظام قانوني لا ينجح في تحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي للأطفال لا يمكن اعتباره نظامًا عادلًا بالكامل، حتى وإن كان منضبطًا من الناحية الشكلية أو الإجرائية.

كما شددوا على أن نجاح أي قانون جديد للأحوال الشخصية لا يعتمد فقط على صياغته القانونية أو مواده التشريعية، بل يرتبط بشكل أساسي بسرعة تطبيقه على أرض الواقع، ووجود وعي مجتمعي داعم لفلسفته، بما يضمن تحويل النصوص إلى ممارسة فعلية تحافظ على الروابط الأسرية وتحقق التوازن المطلوب بين جميع الأطراف.