شهدت الساحة السياسية المصرية تطورًا دراماتيكيًا خلال الساعات الماضية، حيث بدأت معركة حامية الوطيس بين النائب السابق محمد عبد العزيز من جهة، وحزب الجبهة الوطنية من جهة أخرى، وانتهت بسرعة بعد هجوم كاسح ومفاجئ شنه عبد العزيز على الحزب حديث العهد بالحياة السياسية، ليقابل بردود عنيفة من قيادات الحزب وأطراف أخرى. فماذا حدث تحديدًا؟ ولماذا تراجع عبد العزيز عن هجومه العنيف؟ وهل حدث تدخل لتهدئة الأمور؟
هجوم صاعق يثير التساؤلات
الهجوم الذي شنه النائب السابق على حزب الجبهة الوطنية لم يكن مجرد وجهة نظر عابرة، بل كان أشبه بقنبلة دخان أثارت تساؤلات حول طبيعة التحالفات القادمة. الصدمة الكبرى كانت في توقيت الهجوم، حيث يُعتبر عبد العزيز محسوبًا على تيار سياسي يُفترض أنه يتشارك مع الحزب في الكثير من المساحات الآمنة داخل التحالفات السياسية الحالية. لذلك، لم يُقرأ الهجوم كرأي شخصي، بل اعتُبر ضوءًا أخضر أو رسالة مشفرة لتصعيد أكبر تجاه الحزب.
تفاصيل المنشور الناري
بدأت المعركة بمنشور ناري لعبد العزيز على حسابه على فيسبوك، اتسم بحدة غير معهودة تجاه حزب الجبهة، واصفًا إياه بأوصاف سياسية قاسية تتعلق بجدوى وجوده ومواقفه. البعض رأى في هذا الهجوم جس نبض أو ربما محاولة لترسيم حدود نفوذ جديدة، خاصة في ظل حالة الحراك التي تشهدها الأحزاب استعدادًا لاستحقاقات سياسية قادمة. حزب الجبهة، الذي يحاول الحفاظ على توازنه في وسط الأمواج السياسية المتلاطمة، لم يمهل المتابعين وقتًا طويلاً لرؤية رد فعل رسمي صاخب، بل بدا أن هناك اتصالات غرف مغلقة بدأت فور نشر التدوينة.
القوة في الهجوم كانت تكمن في هوية المهاجم الذي يُحسب تاريخيًا على تيار الشباب الوطني المقرب من دوائر مهمة، مما أعطى انطباعًا بأن الهجوم قد يكون ضوءًا أخضر لتصفية حسابات مع الحزب، الذي رغم حداثة عهده في الوسط السياسي، نجح في تقديم نفسه كواحد من أكبر وأهم الأحزاب، وترجم ذلك إلى أرقام مهمة في عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة.
التراجع التكتيكي والسيناريوهات المحتملة
الحدث الأهم في هذه الدراما لم يكن الهجوم، بل الانسحاب التكتيكي. فبعد حذف المنشور بعد ساعات قليلة من انتشاره، ظهرت عدة سيناريوهات تكشف تفاصيل ما جرى في الغرف المغلقة. أحد السيناريوهات تحدث عن تدخلات من مستويات وجهات نافذة رأت أن التوقيت غير مناسب لفتح جبهات صراع داخلية تفتت القوى المدنية أو الحليفة. السيناريو الثاني يقول إن عبد العزيز ربما أدرك أن حجم الرد أو الارتداد العكسي للهجوم قد يطاله شخصيًا أو يكشف أوراقًا لا يرغب في إظهارها الآن. أما السيناريو الثالث والأقل ترجيحًا، فيذهب إلى أن قيادات الحزب قدموا خلف الكواليس توضيحات أدت إلى قناعة لدى عبد العزيز بأن الرسالة وصلت ولا داعي لاستمرار الهجوم.
نص منشور محمد عبد العزيز
كتب عبد العزيز منشورًا طويلاً قال فيه: «ليه حزب الجبهة الوطنية أفشل الأحزاب المصرية؟.. بوست طويل شوية معلش.. لو في جايزة لأكثر الأحزاب السياسية فشلا هو وإدارته.. هختار بضمير مستريح حزب الجبهة الوطنية وإدارته.. وعارف إن الكلام ده ممكن يزعل مني البعض.. لكن حقي أقول رأيي بكل حرية. أنا مش عضو في أي حزب فبقول رأيي من منظور محايد تماما.. وأي حزب سياسي أو تجربة سياسية بحاجة إلى فترة ما لتقييم نجاحها أو فشلها وجدوى وجودها وإضافتها للحياة السياسية.. والحقيقة ببساطة حزب الجبهة لا يعلم أبجديات العمل السياسي والحزبي.. حزب من اللحظة الأولى مش عارف هو مؤيد ولا معارض.. حزب يسألوه عن توجهاته يقول أنا لا معارض ولا مؤيد!!.. ما هو لو مؤيد ليه مؤسسيه مدخلوش حزب الأغلبية ؟!.. ولو معارض لماذا لم يضبط متلبسا بأي موقف مختلف فيه مع الحكومة؟!.. ولو مكانش لا ده ولا ده اومال هو إيه؟ منعرفش!».
وتابع: «الحزب قدم نفسه باعتباره وافد جديد للحياة السياسية.. واستبشرنا بيه خيرا خاصة مع تصريحات قياداته.. اللي قالوا بوضوح إحنا مش هنوزع كراتين.. فقولناااا ياااااه الحمد لله.. أخيرا حزب فاهم إن ده مش دور الأحزاب.. وبعد كدة وزعوا كراتين عادي جدا!!». وأوضح: «قال الحزب بعدها كلام يضحك من نوعية أصلنا بنوزع بعد الانتخابات!!.. لا حضرتك هي الأحزاب مش بتوزع كراتين المفروض أصلا!.. دي شغلة الجمعيات الأهلية.. ده دور المجتمع المدني.. ليه الأحزاب ميصحش توزع كراتين؟!.. لأن دي ممكن تتفهم إنها رشوة انتخابية حضرتك.. ده ممكن يتفسر إنه نوع من الفساد السياسي حضرتك.. ومافيش حاجة اسمها أنا موزعتش في الانتخابات.. لأنك بتوزع في أي وقت على مدار السنة بهدف تربط صاحب الحاجة بالحزب وشعار الحزب.. عشان وقت الانتخابات تستغل عوزه وحاجته وتقوله صوت لمرشح الحزب».
وأكمل: «لو انتوا حزب غني ربنا يبارك لكم طبعا.. وعايزين تعملوا خير.. ده يبقى كرم أخلاق منكم والله.. ده شيء جميل والله.. اتبرعوا بالخير ده للجمعيات الأهلية توزع هي.. عارف ليه؟ لأن في القانون الجمعيات الأهلية الخيرية ليس من حقها الدعاية الانتخابية لمرشح دون الآخر، المهم بقى إن الأحزاب شغلتها تعمل سياسات وتهدف للوصول للأغلبية عشان تحكم وتنفذ هذه السياسات (حزب الجبهة برضه قالوا مش عايزين الأغلبية).. اومال عايزين ايه يا جماعة؟!». وواصل: «يعني ايه حزب يطلع يقول لا أهدف للوصول للأغلبية ومش عايز أحكم؟! حزب مش معارض ومش مؤيد!!.. فين ده في كوكب الأرض بجد؟!.. نعم ؟ انتوا بتخترعوا سياسة جديدة يا جماعة.. الأحزاب في العالم جيس وااااات هدفها تحكم يا جماعة.. شغلها الشاغل تتبنى سياسات مقنعة للمواطن عشان ينتخبها فتاخد الأغلبية يا جماعة.. ولذلك بتتبارى تقنع الناخب يصوت لها.. عشان تنفذ سياستها وبرنامجها.. ده مش اختراع يعني عشان تقولي لا والله ماليش في حوار الأغلبية والحكم ده».
واختتم عبد العزيز هجومه قائلاً: «النتائج على الأرض بتقول ضعف شعبية مرعب للحزب ولاختيارته في مرشحيه.. لدرجة أن عدد المقاعد اللي حصل عليها في القايمة ضعف اللي فاز بيها في الفردي تقريبا.. وخسر مرشحوه على المقاعد الفردية في الانتخابات خسائر فادحة في مختلف المحافظات.. وحتى الآن لم يستكمل الحزب تشكيلاته في كتير جداااا من الوحدات الحزبية.. وحتى التشكيلات اللي تمت فيها انعزال تام عن القيادات الشعبية الحقيقية في القرى والأحياء وبيعتمد على أضعف كادر حزبي في معظم التشكيلات.. حزب اتوفر له إمكانيات مالية هائلة.. ودعم سياسي وإعلامي كبير جدا.. وعشان كدة حقنا نناقش ونقيم التجربة وإدارتها وجدوى دورها في الحياة الحزبية والسياسية».
رد حزب الجبهة على الهجوم
لم يقف حزب الجبهة مكتوف الأيدي، ورد عبر رئيس هيئته البرلمانية بمجلس الشيوخ محمود مسلم، مؤكدًا أن عبد العزيز شن هجومًا عنيفًا وغير مبرر، وهو لا يمكن أن يمر بلا رد، نظرًا لما تضمنه من أخطاء ومغالطات وافتراءات تصل إلى حد التصيد. وأضاف مسلم عبر صفحته الشخصية على فيسبوك: إنه في هذا الصدد نود أن نذكر السيد محمد عبد العزيز وكل من قرأ ما كتبه بالملاحظات التالية:
- أولاً: حزب الجبهة الوطنية لا يرى نفسه فوق النقد، ويسعد بأي حوار حول دوره وأدائه، لكنه يرفض التصيد والاستهداف.
- ثانيًا: الحزب ومنذ تأسيسه في نهاية عام 2024، يحظى بكثير من المتابعة والاهتمام، وربما التركيز، رغم أن عمره السياسي على أرض الواقع لم يزد على عام ونصف العام، ومن الإجحاف أن نرتب على هذه المدة معايير الفشل والنجاح. ولا يمكن أيضًا أن نختصر الحزب ونجاحه أو إخفاقه على تصريحات. وهنا نذكر الجميع بأن الحزب استطاع منذ إعلان تأسيسه جمع 550 ألف توكيل من المصريين، وضمت هيئته التأسيسية قيادات ورموز وشخصيات عامة تحظى بقبول شعبي وتحمل خبرات كبيرة ومشهودة. فيما يتعلق بالموقف السياسي للحزب، فقد أعلن بوضوح أنه سيؤيد الحكومة في كل ما يراه حقًا، ويعارضها ويختلف معها في كل ما يراه غير ملائم للواقع المصري، من خلال دراسات لجانه المختلفة التي يفخر الحزب بأنها تضم خيرة العقول المصرية.
- ثالثًا: وفيما يتعلق بنقطة عدم السعي للأغلبية، فقد تم تحديده على عملية الانتخابات المنقضية بالفعل، نظرًا لأنها التجربة الأولى في تاريخ الحزب. ولو تم عكس ذلك، وسعى الحزب للأغلبية، لتعرضنا لانتقادات كثيرة، فكيف لحزب لم يكمل عمر تأسيسه 8 أشهر يخوض الانتخابات على الأغلبية؟
- رابعًا: ليس صحيحًا بالمرة أن الحزب تعرض في الانتخابات لخسارة فادحة. فالنتائج، والتي جاءت في ظل منافسة شرسة، تقول إن الحزب فاز بـ47 نائبًا في مجلس الشيوخ، و70 نائبًا في مجلس النواب، وكانت نتيجته في الانتخابات الفردية 100% في الشيوخ، وحوالي 50% في النواب. هل هذه النتائج يمكن وصفها بالخسارة الفادحة؟ ونتمنى أن يكلف النائب السابق نفسه ويطبق نفس المعايير على كل الأحزاب والقوى السياسية ويقارن نتائجها بعدد مرشحيها!
- خامسًا: يقول السيد محمد عبد العزيز إن الحزب لم يضبط متلبسًا بأي موقف يختلف فيه مع الحكومة. ونحن نطلب منه فقط أن يراجع بيان وموقف الحزب من قانون الإيجار القديم وعلاقة المالك بالمستأجر، وهو موقف سبق انتخابات مجلس الشيوخ والنواب، واختلف تمامًا عن طرح الحكومة، في قضية تهم قطاعًا كبيرًا من المصريين. نتمنى أيضًا أن يراجع النائب السابق موقف الحزب في مجلس الشيوخ برفض مقترح الحكومة حول قانون الضريبة العقارية، كما رفضت الهيئة البرلمانية بمجلس الشيوخ مشروع قانون المستشفيات الجامعية، وطالب الحزب بإعادته إلى اللجنة مرة أخرى لمزيد من الدراسة. بينما وافقت أغلبية مجلس الشيوخ على القانون من حيث المبدأ لكن بعد فترة استجابت الحكومة وتراجعت عن استكماله لمزيد من الدراسة مثلما اقترح حزب الجبهة. كما بادر الحزب عبر نوابه بتقديم مقترحات تمثل رؤية متقدمة لقانون الأحوال الشخصية، وأجرى بالفعل جلسة حوار مجتمعي قبل أن تتقدم الحكومة بمشروعها. هذا بالإضافة إلى عشرات المواقف في لجان مجلسي النواب والشيوخ التي اختلف فيها الحزب مع الحكومة وتسبب الاختلاف في تعديل الكثير من آرائها. وأخيرًا، على السيد النائب أن يراجع كلمات ومواقف نواب الحزب بشأن البيان الختامي والموارنة ليرى الصورة كاملة وجوهرها أن الحزب يؤيد ما يراه مفيدًا ويعارض ما يراه عكس ذلك.
- سادسًا: وبشأن قضية الكراتين، فهي تحسب للحزب وليست عليه، فلم يستغل الناس خلال الانتخابات، بل قام بدوره المجتمعي قبل شهر رمضان ودون ربطها بتصويت أو انتخابات. وعمومًا، هذه القضية يمكن أن تطرح ويثار الحوار حولها في سياق أوسع له علاقة بطبيعة المجتمع الحزبي كله وظروف المجتمع المصري.
- سابعًا: نطلب من النائب السابق أن يكرر نفس المنهج على بقية الأحزاب والقوى السياسية، وأن يراجع معايير النجاح والفشل في المشهد السياسي المصري اعتمادًا على الواقع الفعلي وليس التعريفات النظرية فقط رغم أهميتها.
واختتم مسلم قائلاً: «نكرر نحن لا نعارض أي انتقادات للحزب لكن نستغرب الاستهداف بهذه الطريقة، وهناك حوار داخلي دائمًا يقوده د. عاصم الجزار رئيس الحزب للتقييم الدائم والمستمر، ومراجعة الأخطاء ومحاولة تصحيحها. أما العلاقة مع الحكومة فدائمًا نجتهد لتقديم الحلول والبدائل، بعيدًا عن التأييد الأعمى أو المعارضة الجوفاء».
محمد عبد العزيز يحذف منشوره ويعلق
لاحقًا، حذف محمد عبد العزيز منشور الهجوم على حزب الجبهة، وعلق قائلاً: «بعد تواصل تم بيني وبين شخصيات وقامات سياسية وحزبية لها وزنها أكن لها كل تقدير واحترام.. ولأن التجربة الحزبية في حزب الجبهة الوطنية هي تجربة حديثة العهد وتحتاج إلى وقت أطول للحكم عليها.. فقد قررت حذف البوست الذي تناولها.. مع استمرار متابعتي كسياسي للشأن العام وللتجربة السياسية والحزبية في مصر وحقي في إبداء رايي في أي وقت لأنه كل ما نريده هو بناء حياة سياسية وحزبية وديمقراطية سليمة.. أشكر كل من اتفق معي وكل من اختلف معي وهذه هي حرية الرأي والتعبير وطبيعة الممارسة الديمقراطية وأتمنى التوفيق للجميع».



