في خضم الصراعات التي تعاني منها منطقة شرق القارة الأفريقية، تحولت التحركات الإثيوبية إلى مصدر تهديد لمحيطها الإقليمي، في مشهد يكشف نزعاتها التوسعية ويعكس سياساتها الممنهجة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة بما يخدم مصالحها، سواء عبر التحكم في الموارد المائية من خلال سد النهضة، أو بالبحث عن منفذ بحري خارج حدودها، أو عبر دعم ميليشيات مسلحة تهدد استقرار دول الجوار.
تفتح التحركات الإثيوبية الباب أمام صراعات إقليمية مفتوحة، مما يضع الاستقرار الإقليمي أمام اختبار معقد، الأمر الذي دفع الحكومة السودانية لاستدعاء سفيرها لدى إثيوبيا على خلفية اتهامات مباشرة لأديس أبابا بالتورط في قصف مطار الخرطوم باستخدام طائرات مسيرة، وهو ما اعتبرته الخرطوم اعتداء على منشأة مدنية محمية بموجب القانون الدولي.
يعد السودان من أكثر الدول تأثراً بالسياسات الإثيوبية، خاصة في ظل استمرار الخلافات حول سد النهضة، حيث يثير غياب التوافق بشأن إدارة السد مخاوف تتعلق بالأمن المائي وتأثيراته على الزراعة والبنية التحتية. فيما تتزايد التقارير حول دعم حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لميليشيات الدعم السريع عسكرياً ولوجستياً، مما يضيف بعداً أمنياً معقداً للعلاقات بين البلدين، فضلاً عن استمرار التوترات الحدودية في مناطق مثل الفشقة.
لماذا إقليم بني شنقول؟
بحسب تقارير إعلامية دولية، أنشأت إثيوبيا معسكراً سرياً غرب إثيوبيا لتدريب آلاف من عناصر مليشيا الدعم السريع في إقليم بني شنقول، الذي يقام عليه سد النهضة، والذي تحول من منطقة نائية على أطراف الهضبة الإثيوبية إلى بؤرة عسكرية داخل معادلة إقليمية معقدة تمتد من ملف سد النهضة إلى النيل الأزرق.
تشير التقارير إلى أن اختيار إقليم بني شنقول لإقامة معسكر تدريب لعناصر ميليشيا الدعم السريع لم يكن اختياراً عابراً، حيث يمثل الإقليم نقطة تماس جغرافية بين السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، كما يقع على مقربة من ولاية النيل الأزرق التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى جبهة قتال متصاعدة.
يتيح هذا التواجد لأي قوة مسلحة القدرة على الانتقال السريع إلى مسرح العمليات داخل السودان، كما يضع المعسكر ضمن توازن أمني حساس يرتبط بشكل غير مباشر بحماية سد النهضة، أحد أكثر الملفات تعقيداً في شرق أفريقيا.
تدريب عناصر ميليشيات الدعم السريع
تشير المعطيات الميدانية إلى أن أعمال إنشاء الموقع بدأت في أبريل 2025 عبر إزالة مساحات من الغابات وبناء هياكل معدنية. غير أن النشاط تسارع بشكل واضح خلال النصف الثاني من أكتوبر 2025 مع توسع ملحوظ في مساحة المخيم ووصول قوافل من المركبات.
أظهرت صور أقمار صناعية التقطت في 24 نوفمبر 2025 أكثر من 640 خيمة شبه مربعة، مما يسمح باستيعاب ما لا يقل عن 2500 شخص في مرحلة أولى. لكن برقية دبلوماسية مؤرخة في الشهر ذاته تحدثت عن قدرة استيعابية قد تبلغ عشرة آلاف مقاتل، وهو رقم يعكس طموحاً يتجاوز فكرة معسكر تدريب محدود ويفتح الباب أمام احتمالات تصعيد إقليمي أوسع، وفق التقارير الإعلامية.
ضم إثيوبي قسري لإقليم بني شنقول
تاريخياً، عاش أهالي إقليم بني شنقول بعد ضمهم قسراً إلى إثيوبيا أوضاعاً صعبة أدت إلى اندلاع عدة موجات تمرد كان أولها عام 1930 حين طالب الأهالي بالعودة إلى السودان أو الحصول على حكم ذاتي، لكن القوات الإثيوبية أخمدت الانتفاضات المتعاقبة.
في بداية إنشاء سد النهضة ثار أهالي الإقليم بسبب تهجيرهم من قراهم التي دخلت في نطاق الأعمال الإنشائية الجديدة كالسد والسد الاحتياطي والبحيرة العملاقة، وحصل البعض على تعويضات مكنتهم من الانتقال لأماكن أخرى قريبة، لكن ظلت بعض الحالات مأزومة بسبب اختلاف أوضاع مناطقهم الجديدة عن السابق.
الصومال.. السيادة والتوازنات البحرية
في مطلع عام 2024، أثار توقيع مذكرة تفاهم بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال جدلاً واسعاً، إذ اعتبرته الصومال تجاوزاً للحكومة المركزية ومساساً بسيادتها. كما أن الطموحات الإثيوبية للحصول على منفذ بحري في خليج عدن تثير تساؤلات حول مستقبل التوازنات العسكرية في المنطقة، خاصة مع تنامي الحديث عن تحالفات إقليمية مضادة.
ظهير إثيوبي داعم لإسرائيل
كشف تقرير سابق أعدته "القناة 12" الإسرائيلية مساعي إسرائيلية تستهدف توسيع نطاق نفوذها العسكري والسياسي عبر شبكة تحالفات إقليمية في القرن الأفريقي، مشيراً إلى أن إثيوبيا تعد اليوم المحور الحاسم في تلك التحالفات؛ حيث وقعت إثيوبيا وأرض الصومال قبل نحو عام مذكرة تفاهم تستأجر بموجبها أديس أبابا شريطاً ساحلياً صومالياً بطول 20 كيلومتراً لمدة 50 عاماً، في مقابل تعهد إثيوبي بالاعتراف باستقلال ما يعرف بـ"أرض الصومال".
لا يمكن النظر إلى التحالف الإسرائيلي الإثيوبي بمعزل عن رغبة "إسرائيل" في امتلاك القوة بعيداً عن حدودها وخلق موطئ قدم عسكري في باب المندب الذي بات أحد أخطر الممرات البحرية في العالم وساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، في ظل التوترات التي تتصاعد في اليمن بين حين وآخر.
يضيف التقرير أن أرض الصومال ليست مجرد إقليم؛ حيث تقع على ممر رئيسي للبحر الأحمر الذي يمر عبره نحو 30% من حركة الحاويات العالمية، كما أن الاعتراف الإسرائيلي الإثيوبي بأرض الصومال يمنح شرعية لمذكرة التفاهم الإثيوبية بشأن استئجار الشريط الساحلي الممتد بطول 20 كيلومتراً في أرض الصومال.
مشهد إقليمي بالغ التعقيد
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن مشهد إقليمي بالغ التعقيد تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع المصالح الاستراتيجية، لتضع منطقة القرن الأفريقي على حافة مرحلة أكثر توتراً. فمع استمرار إثيوبيا في تبني سياسات توسعية – سواء في ملف سد النهضة، أو عبر تحركاتها في بني شنقول، أو سعيها للوصول إلى خليج عدن – تتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو صراعات مفتوحة يصعب احتواؤها.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن استمرار فجوة الثقة بين إثيوبيا وجيرانها، وعلى رأسهم السودان والصومال، قد يحول التوترات الحالية من أزمات قابلة للإدارة إلى صراع إقليمي واسع ستكون كلفته باهظة على الجميع دون استثناء.



