خطبة الجمعة اليوم: إتقان العمل واجب ديني وحضاري
أعلنت وزارة الأوقاف المصرية أن موضوع خطبة الجمعة اليوم هو «إتقان العمل واجب ديني وحضاري»، وذلك بمناسبة قرب عيد العمال. وأكدت الوزارة أن الحضارة لا تُبنى بالأماني ولا تُشيَّد بالكسل والتواني، بل تُبنى بعقول حاذقة وسواعد صادقة في الإخلاص، ترى في العمل محرابًا للجهاد وفي الإتقان عمرانًا للبلاد.
نص خطبة الجمعة كاملاً
نشرت وزارة الأوقاف النص الكامل لخطبة الجمعة على موقعها الرسمي، وجاء فيه: «تأمَّل تجلِّي الإتقان في صنع الرحمن، وانظر إلى الأرض كيف بسطها البديع بجودة الإتقان، وزيَّن فجاجها ببدائع الإحسان، وجُل بفكرك في ملكوته لترى جمال الاتساق، وإتقان الصُّنع في كل الآفاق، وترى هذا الكون الفسيح، وما فيه من نظام متين وبهاء مبين، وكيف جرت المقادير بإحكام وتدبير، فلا خلل يعتريها، ولا نقص يأتيها، بل هي كمال فوق كمال، وجلال يعجز عن وصفه المقال، فغص في أسرار النفس الخفية، وشواهد الحكمة العليا، تجد آثار الصنعة الإلهية، فكل ذرة في الوجود تنطق بأن ربها أتقن ما ذرأ، وأبدع فيما برأ، وجعل الإتقان قانونًا ساريًا، وعطاء وافيًا، ونورًا في الأكوان جاريًا، فسبحان من جمل الذوات بالصفات، وأحكم الكائنات بالآيات، وأرسى الجبال وأجرى البحور، وبث في المخلوقات أسرار النور، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}».
وأضافت الخطبة: «دبر كيف كان الإتقان لب العبادة وجوهر الإيمان، وتلمس في عظمة الشريعة الغراء، فقد جاءت بالقيم والمبادئ السنية؛ لتصوغ النفس الإنسانية بصيغة ربانية، وتجعل الإحسان معراجًا للقبول، ومنهلًا عذبًا للوصول، فيقوم العبد لصلاته وكأنها صلاة مودع، ويؤدي أمانته وعينه ترقب الحساب بيقين المشتاق، وترجو الثواب بصدق الأخلاق، فهذا مقام المراقبة الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، واستلهم القدوة من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم حين رأى غلامًا يسلخ شاة ولا يحسن فعل ذلك، فلم يكتف بالوعظ، بل تقدم إليه وقال: «تنح حتى أريك» ثم أراه وجه الإتقان في الصنعة، ليعلمنا أن التقوى لا تنفصل عن الفهم والمهارة، وأن العابد الحق هو من يطهر قلبه بالخشوع ويجمل جوارحه بالإتقان، فالمؤمن الحق للمجد يروم، وعن معالي الأمور أبدًا لا يصوم، ليكون عمله مرآة لصفاء قلبه، وعنوانًا لصدق حبه لربه، وفي ذلك يقول الجناب المعظم صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
إتقان الصنعة سبيل لعزة الأوطان
وتابعت الخطبة: «اجعل إتقان الصنعة سبيلًا لعزة الأوطان؛ ليتحول عملك إلى محراب، ومن إتقانك للصنعة للرقي باب، فالحضارة لا تبنى بالأماني، ولا تشيد بالكسل والتواني، بل تبنى بعقول حاذقة، وسواعد في الإخلاص صادقة، ترى في العمل محرابًا للجهاد، وفي الإتقان عمرانًا للبلاد، فمن جود سعيه نال سؤله، ومن أحكم عمله أدرك أمله، ومن رعى في الناس حقهم زان فعله، فكن يا أخي صانعًا ماهرًا، ومنتجًا باهرًا، وفي ميدان الجودة ثابتًا وناصرًا، واعلم أن اليد المتقنة يد يحبها الله، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء».
واختتمت خطبة الجمعة بقولها: «استبشر بفضل الله العميم، وجزائه الوافر الكريم: فكل مجهود بذلته، وكل عمل أتقنته، وكل عرق في سبيل الإحسان صببته، هو عند الله محفوظ، وفي ديوان الحسنات ملحوظ، وانظر بعين اليقين كيف أمر الله الصديقة مريم بهز الجذع ليتساقط الرطب، وكيف أوحى لسيدنا داود عليه السلام بإحكام نسج الدروع وتقدير السرد في الطلب، وكيف أيد ذا القرنين بقوة الإتقان في بناء السد وحسن الأدب، ليعلمنا أن الأنبياء والأولياء ما نالوا عظيم العطايا إلا بإتقان الأسباب، فلا يضيع أجر من أحسن العمل، ولا يخيب سعي من طرد الملل، فطوبى لمن بالجد واليقين اعتصم، وفي محاريب الإتقان خط بيمينه القلم، وشيد للمجد في آفاق البلاد علمًا، فكن من أهل الإتقان في السر والعلن؛ لتعيش في أمان وتكفى المحن، وتفوز برضا رب المنن، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}».



