رئيس جامعة الأزهر يفك طلاسم التنكير في آية الطوفان
كشف الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، عن سر بلاغي عميق في قوله تعالى: "وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" (هود: 44). وأوضح أن تنكير كلمتي "أرض" و"سماء" في هذا الموضع يحمل دلالات إعجازية لم يسبق أن فصّلها الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي توقف عندها دون تفسير.
لماذا نُكّرت الأرض والسماء؟
أوضح داود في تصريح له أن السياق القرآني يصور حدثًا استثنائيًا: فالأرض بعد الطوفان لم تعد أرضًا عادية، والسماء لم تعد سماءً مألوفة، بل تحولتا إلى حالتين فريدتين. فالسماء "تفجرت بالماء وانفتحت أبوابها" كما في قوله تعالى: "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ" (القمر: 11)، مما جعل التعبير بالتنكير أنسب لوصف هذه الحالة غير المسبوقة.
تصوير بديع يعكس ضخامة الحدث
وأضاف رئيس الجامعة أن التنكير يعكس حالة الغرابة والهيبة التي اكتنفت المشهد الكوني، حيث أصبحت الأرض غير الأرض، والسماء غير السماء، في تصوير بديع يعكس ضخامة الحدث. وتابع: "هذا الأسلوب القرآني يفتح آفاقًا واسعة للتدبر، ويبرز كيف يجمع القرآن بين جمال البيان وعمق المعنى".
نداء الأرض والسماء: حقيقة أم مجاز؟
تناول داود جانبًا آخر من الإعجاز، وهو نداء الأرض والسماء، موضحًا أن بعض العلماء اعتبره من باب الاستعارة، حيث شُبهت الأرض والسماء بإنسان يُنادى. غير أن العظمة الحقيقية – بحسب تأكيده – تكمن في أن هذا النداء وقع على الحقيقة، فاستجابت الأرض والسماء لأمر الله استجابة فعلية. وأكد أن الطوفان كان حدثًا حقيقيًا، وكذلك استجابة الكون لأمر الله كانت حقيقية، حيث ابتلعت الأرض ماءها، وأقلعت السماء عن المطر، في مشهد يجسد تمام القدرة الإلهية.
إعجاز يلهم العلماء عبر العصور
واختتم داود تصريحه بالتأكيد على أن هذه الآية تظل مصدر إلهام للعلماء والدارسين، وتجسد كيف أن القرآن الكريم يجمع بين جمال البيان وعمق المعنى، في صورة تبقى خالدة عبر العصور.



