تمثل رؤية مصر 2030 إطاراً استراتيجياً شاملاً تسعى من خلاله الوزارات المختلفة إلى بناء اقتصاد تنافسي ومستدام، قائم على المعرفة والابتكار، وقادر على تحقيق معدلات نمو مرتفعة تنعكس مباشرة على جودة حياة المواطنين. ترتكز الرؤية الاقتصادية على خدمة المواطن وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، مع التوسع في الاستثمارات وتعزيز دور القطاع الخاص، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية بما يدعم توفير فرص عمل مستدامة.
الاستثمارات الكلية ومساهمة القطاع الخاص
بحسب بيانات مجلس الوزراء، تعتمد خطط الحكومة المستقبلية على مواصلة دعم النشاط الاقتصادي عبر تنفيذ الخطة الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026-2027، والتي تتضمن ضخ استثمارات كلية تُقدّر بنحو 3.8 تريليون جنيه، مع استهداف رفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات الكلية إلى نسبة 60% باعتباره قاطرة التنمية. من أولويات هذا التوجه تعظيم الاستفادة من الطاقة الجديدة والمتجددة، باعتبارها المسار الأمثل لتعزيز مرونة الاقتصاد الوطني، من خلال خفض الاعتماد على الوقود التقليدي، وخلق مزيج طاقة متوازن، إلى جانب تطوير ورفع كفاءة الشبكات والخطوط الكهربائية بتكلفة تقارب 200 مليار جنيه لاستيعاب حجم الإنتاج من المصادر المتجددة.
جذب الاستثمارات وتطوير قطاع البترول
تعمل الحكومة على توفير المزيد من التيسيرات والمحفزات لجذب الاستثمارات والمشروعات، وتخصيص الأراضي للتوسع في إنشائها على مستوى الجمهورية. تشمل الخطط المستقبلية أيضاً تعظيم الاكتشافات من البترول والغاز، حيث التزمت الحكومة بسداد كامل مستحقات الشركاء الأجانب بحلول يونيو 2026 بعد أن بلغت 6.1 مليار دولار في يونيو 2024، مع ضمان الانتظام في سداد المستحقات الشهرية الجديدة. يأتي ذلك بالتوازي مع تسريع وتيرة البحث والتنقيب والاستكشاف لزيادة الإنتاج المحلي، والانتقال السريع من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج لتقليل فاتورة استيراد المنتجات البترولية، في ظل الأخبار الإيجابية المتتالية عن اكتشافات جديدة للشركات الأجنبية العاملة في مصر.
إعادة التموضع في سلاسل القيمة العالمية
تسعى الحكومة إلى إعادة تموضع الاقتصاد المصري في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، بما يعزز مستويات الأمن الغذائي والطاقي، ويستفيد من المزايا النسبية والتنافسية لعدد من القطاعات الاقتصادية لجذب الاستثمارات وخلق فرص عمل عالية القيمة المضافة. على صعيد الأمن الغذائي، تستهدف الدولة تضييق الفجوة الاستيرادية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية، حيث من المخطط تسلّم نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي خلال موسم الحصاد الحالي، مع تحديد سعر توريد محلي يبلغ 2500 جنيه للأردب بزيادة 300 جنيه عن الموسم السابق. تستمر الدولة في سياسة تنويع المناشئ ومصادر الاستيراد لتعزيز مرونة منظومة الإمداد والحد من تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية، مع إدارة استباقية لملف التعاقدات لضمان تغطية آمنة ومستدامة للاحتياجات من السلع الأساسية.
نظام المتابعة وتقييم الأداء الحكومي
تتحرك الحكومة تدريجياً نحو تأسيس نظام وطني للمتابعة وتقييم الأداء الحكومي، بهدف تعزيز السياسات القائمة على الأدلة وزيادة مستويات المساءلة والشفافية، بما يضمن تعظيم الأثر التنموي للسياسات الحكومية، وهو ما تم التمهيد له عبر تطوير منظومات متكاملة للمتابعة والتقييم وفق أفضل الممارسات الدولية.
الرقمنة ومكافحة الفساد
أوضح الدكتور محمد حجازي، استشاري التشريعات الرقمية والرئيس السابق للجنة التشريعات والقوانين بوزارة الاتصالات، أن الرقمنة في مصر حققت مبدأ فصل مقدم الخدمة عن طالبها، وهو ما يعد حجر الزاوية في مكافحة الفساد، سواء المرتبط بتجاوز الدور أو الرشوة أو المحسوبية، من خلال تسريع الإجراءات وتقليص الاحتكاك البشري، وتحويل الخدمات اليدوية إلى رقمية، بما قلَّل سلطة الموظف وألغى قدرته على تعطيل الملفات أو الخدمات للحصول على ميزة، إذ أصبح النظام يراقب زمن الاستجابة. أضاف أن الرقمنة تحقق أيضاً الشفافية المالية عبر منظومة الدفع والتحصيل الإلكتروني، حيث انتهت ظاهرة الإكراميات لإنهاء المعاملات النقدية، وأصبحت الرسوم تُسدد عبر قنوات دفع إلكترونية مباشرة إلى الخزانة العامة، ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدلات الفساد بمكاتب المرور والشهر العقاري والتموين. لكنه أشار إلى استمرار تحدي الوسطاء الرقميين الذين يستغلون عدم إلمام بعض المواطنين بالتكنولوجيا لتحقيق أرباح غير رسمية.
التحول الرقمي في القضاء
لفت حجازي إلى أن التعامل اليدوي لم ينتهِ تماماً في جميع أنحاء مصر، إلا أن الرقمنة الشاملة وصلت إلى المحاكم الابتدائية والاقتصادية، حيث نجحت منظومة تجديد الحبس الاحتياطي عن بُعد في توفير نفقات النقل وتأمين السجناء مع ضمان حضور المحامي، مما يعكس أهمية التحول الرقمي في معالجة التحديات السابقة. تم تفعيل تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل مرافعات الجلسات إلى محاضر رقمية فورية، مما قضى على احتمالات التلاعب في المحاضر الورقية، وأتاح للمتقاضين متابعة القضايا عبر بوابة النيابة العامة والحصول على المستخرجات الرسمية والشهادات دون الحاجة للذهاب للمحكمة، الأمر الذي سرّع وتيرة العدالة وقلل الزحام والسمسرة.



