اقتراح النائب نبيل دعبس بخصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة يثير عاصفة من الجدل والغضب
دعبس يثير الجدل باقتراح خصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة (26.02.2026)

اقتراح مثير للجدل: خصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة لبناء مدارس جديدة

في وقت تعاني فيه الأسر المصرية من أزمات اقتصادية متلاحقة وتكافح لتدبير مصاريف التعليم، خرج النائب نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس الشيوخ، باقتراح أثار عاصفة من الجدل والغضب. طالب دعبس بخصم مبلغ 200 جنيه سنويًا من كل طالب في المدارس الخاصة لصالح صندوق هيئة الأبنية التعليمية، زاعمًا أن هذا الإجراء يمكن أن يضخ 10 مليارات جنيه سنويًا لبناء مدارس جديدة.

ردود فعل غاضبة من أولياء الأمور

قوبل الاقتراح باستهجان شديد من أولياء أمور طلاب المدارس الخاصة، الذين اعتبروه محاولة لرفع الحرج عن الحكومة وتمويل إنشاء المدارس من جيوب المواطنين. يرى المنتقدون أن الدستور المصري في مادته 19 يلزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم، وأن النائب بدلًا من محاسبة الحكومة على تقاعسها، قرر تحميل العبء على المواطن.

برر دعبس مقترحه بالحديث عن مدارس مصاريفها 30 ألف جنيه، متجاهلًا أن قطاعًا عريضًا من المدارس الخاصة يخدم الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تعاني أصلًا من الزيادات السنوية في المصاريف. بدلًا من الانحياز إلى الشعب، اختار النائب الطريق السهل بتحميل الناس فشل الحكومات المتعاقبة في توفير مقاعد دراسية جديدة.

رحلة الصعود الغامض لـ "ملياردير التعليم"

لا يمكن فهم عقلية النائب نبيل دعبس دون النظر إلى تاريخه كأحد أباطرة بيزنس التعليم في مصر. فهو رئيس مجلس إدارة "مودرن جروب" التي تمتلك إمبراطورية تعليمية تشمل مودرن أكاديمي والأكاديمية الحديثة للعلوم والتكنولوجيا وجامعة MTI. استطاع دعبس أن يدمج بين المال والتعليم والسياسة، بدءًا من قيادته في الحزب الوطني المنحل، ثم تأسيس حزب "مصر الحديثة"، ليصل إلى رئاسة لجنة التعليم في مجلس الشيوخ.

يرى خصومه أن هذا يمثل تضاربًا صارخًا في المصالح، فكيف لمستثمر في التعليم الخاص أن يشرع قوانين تراقب هذا القطاع أو تمسه؟

أزمة عدم اعتراف الكويت بشهادات مؤسسات دعبس

واحدة من أكثر النقاط سوادًا في تاريخ المؤسسات التعليمية التابعة لدعبس هي أزمة سحب الاعتراف بالشهادات المصرية في بعض دول الخليج، وعلى رأسها الكويت. أصدرت وزارة التعليم العالي الكويتية قرارات بمنع اعتماد شهادات الحقوق والهندسة من عدة جامعات وأكاديميات خاصة في مصر، وكانت أسماء المؤسسات المملوكة لدعبس تتردد بقوة في تقارير اللجان الفنية.

رأت تلك اللجان أن المخرجات التعليمية لا تتناسب مع المعايير المطلوبة، مع تلميحات عن شبهة تزوير بعض الشهادات ومنحها أونلاين لبعض الطلاب مقابل مبالغ مالية مرتفعة. هذه الأزمة لم تكن مجرد مشكلة إدارية، بل كانت لطمة لسمعة التعليم العالي المصري بالخارج، وتسببت في ضياع مستقبل مئات الطلاب.

تضارب المصالح تحت قبة البرلمان

يواجه نبيل دعبس انتقادات شعبية وهجومًا شرسًا من خصومه السياسيين وخبراء التعليم. تتلخص أبرز الاتهامات في أنه يستخدم منصبه لتمرير تشريعات تخدم كبار المستثمرين في التعليم، بدلًا من الدفاع عن حق الطالب الفقير في تعليم مجاني بجودة عالية. كما يُسأل دعبس عن غياب الرقابة على "مافيا المصروفات" في المدارس الدولية والخاصة.

يرى المنتقدون أن اقتراح الـ 200 جنيه يعكس عقلية "التاجر" الذي يبحث عن السيولة من جيوب أولياء الأمور، بدلًا من البحث عن حلول اقتصادية مبتكرة من ميزانية الدولة أو عبر فرض ضرائب تصاعدية على أرباح الجامعات الخاصة الكبرى التي يمتلك هو إحداها.

تزاوج المال بالسلطة

نموذج الدكتور نبيل دعبس هو مثال صارخ على تزاوج المال بالسلطة. ظهر في المشهد السياسي قبيل ثورة 25 يناير بسنوات، حين انضم إلى الحزب الوطني مستغلًا فتح الحزب أبوابه لرجال المال والأعمال. أدرك مبكرًا أن أمواله ستفتح له الأبواب المغلقة، وأنفق ملايين الجنيهات على أنشطة الحزب.

استغل دعبس ذكاءه التنظيمي وقربه من دوائر صنع القرار ليصبح عضوًا بارزًا في الحزب، وأدرك أن التعليم الخاص هو الحصان الرابح مع تراجع جودة التعليم الحكومي. أسس مودرن أكاديمي، التي تحولت إلى كيان تعليمي ضخم يضم تخصصات الهندسة والتجارة والحاسب الآلي، ثم أسس جامعة MTI لتكتمل الحلقة من التعليم المدرسي إلى الجامعي.

استهداف الطبقة المتوسطة والوافدين

اعتمد دعبس على جذب الطلاب من الطبقة المتوسطة "المرتاحة" والطلاب الوافدين من دول الخليج مثل الكويت والسعودية، مستفيدًا من علاقاته لتسهيل التراخيص والاعتمادات. جعل اسم "عائلة دعبس" مرادفًا لبيزنس التعليم الخاص في مصر.

ورغم اختفاء أسماء كثيرة من عهد مبارك بعد ثورة يناير، أعاد دعبس إنتاج نفسه سياسيًا بتأسيس حزب مصر الحديثة، الذي أصبح جزءًا من التحالفات الداعمة للدولة. لم يكن الحزب مجرد كيان سياسي، بل كان ظهيرًا يحمي استثمارات دعبس التعليمية ويوفر له مقعدًا دائمًا في طاولة المفاوضات السياسية.

اللحظة الحاسمة مع عودة مجلس الشيوخ

مع عودة الغرفة الثانية للبرلمان، لم يكتفِ دعبس بالعضوية، بل انتُخب رئيسًا لجنة التعليم والبحث العلمي والاتصالات. المفارقة الدرامية هنا أن المستثمر أصبح هو نفسه المراقب، فالرجل الذي يمتلك جامعات ومعاهد خاصة هو نفسه الذي يناقش قوانين التعليم ويراقب أداء الحكومة في هذا الملف.

يرأس دعبس لجنة التعليم في وجود قامات وأسماء مهمة تحت قبة مجلس الشيوخ، وهو ما يفسره البعض بأنه انعكاس لاستغلال ثقله المالي وعلاقاته بأحزاب الموالاة التي تتحكم في شكل التحالفات داخل البرلمان.

تاريخ غامض وحضور سياسي باهت

البحث في تاريخ نبيل دعبس يكتنفه الكثير من الغموض، فمسيرته قبل دخول بيزنس التعليم وقبل اقتحام عالم السياسة تبدو غامضة، ولا تتوافر معلومات عن أنشطته السابقة. حضوره السياسي يبدو باهتًا للغاية، فحزبه مصر الحديثة خرج من سباق انتخابات مجلس النواب الأخيرة خالي الوفاض، ولم يحصل على أي مقاعد، وحتى دعبس نفسه دخل مجلس الشيوخ من بوابة التعيين.

في النهاية، يبقى اقتراح خصم 200 جنيه من طلاب المدارس الخاصة قضية تثير تساؤلات عميقة حول تضارب المصالح ودور المال في تشكيل السياسات التعليمية في مصر.