قمة السبع الكبار ودور مصر المحوري
لم تعد قمم مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى مجرد اجتماعات اقتصادية دورية بين أكبر الاقتصادات الصناعية الغربية، بل تحولت خلال العقود الخمسة الماضية إلى أحد أهم المنتديات السياسية والاستراتيجية في العالم، حيث تناقش قضايا الأمن الدولي والطاقة والتجارة والتغير المناخي والحروب والأزمات الإقليمية. وفي قلب هذه التحولات برزت مصر، باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وشريكاً لا يمكن تجاهله في الكثير من الملفات التي تتصدر أجندة المجموعة.
نشأة مجموعة السبع وتطورها
تعود جذور مجموعة الدول السبع إلى عام 1975 عندما دعا الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان قادة ست دول صناعية كبرى إلى اجتماع في قصر رامبوييه بفرنسا لمواجهة تداعيات أزمة النفط العالمية والانكماش الاقتصادي الذي أعقب حرب أكتوبر عام 1973. ضمت المجموعة آنذاك: الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، واليابان. وفي العام التالي انضمت كندا لتصبح مجموعة السبع، بينما انضمت روسيا عام 1998 لتتحول إلى مجموعة الثماني قبل أن يتم تعليق عضويتها عام 2014 عقب أزمة القرم، لتعود المجموعة إلى صيغتها الحالية. يمثل أعضاء المجموعة ما يقارب ثلث الناتج الاقتصادي العالمي، رغم تراجع نسبتهم مقارنة بصعود الصين والهند والقوى الاقتصادية الناشئة.
توسع أجندة القمة
خلال سنوات الحرب الباردة كانت القمم تركز على أسعار النفط والتضخم وأسواق المال، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي توسعت أجندتها لتشمل: الأمن الدولي، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والهجرة غير الشرعية، والأمن الغذائي، والتغير المناخي، والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والأزمات الإقليمية. وهكذا تحولت قمة السبع إلى ما يشبه غرفة تشاور استراتيجية للمعسكر الغربي.
مصر شريك رئيسي رغم عدم العضوية
رغم أن مصر ليست عضواً في مجموعة الدول السبع، إلا أنها أصبحت خلال العقد الأخير شريكاً رئيسياً في كل النقاشات المرتبطة بالشرق الأوسط وأفريقيا. وقد شارك الرئيس عبدالفتاح السيسي في عدد من جلسات القمة الحالية التي استضافتها مدينة إيفيان الفرنسية خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، وكذلك في لقاءات ثنائية مع قادة الدول الكبرى، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حضور الرئيس للقمة أكد مكانة مصر كطرف مؤثر في التفاعلات الدولية بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي، وغيرها من الملفات التي تشكل حاضر ومستقبل النظام الدولي والأوضاع الإقليمية. كما أن مصر شريك استراتيجي في ملفات الأمن البحري والهجرة ومكافحة الإرهاب، وهي ملفات باتت تحتل موقعاً متقدماً على أجندة المجتمع الدولي.
دور مصر في القضايا الإقليمية
تظل مصر أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وأحد أهم اللاعبين السياسيين في ملفات: القضية الفلسطينية، الحرب في غزة، أمن البحر الأحمر، الأزمة الليبية، الحرب في السودان، ومكافحة الإرهاب. ولهذا تحرص دول السبع على التشاور المستمر مع القاهرة بشأن القضايا الإقليمية، خصوصاً بعد عودة مصر القوية إلى القارة الأفريقية، حيث تمثل جسراً مهماً بين الدول الصناعية الغربية وأفريقيا في ملفات التنمية والطاقة والبنية التحتية والتغير المناخي.
رسائل الرئيس السيسي في القمة
جاءت الرسائل الرئيسية في الكلمات الرسمية وتصريحات الرئيس السيسي خلال مشاركاته في جلسات القمة أو خلال اللقاءات الثنائية لتؤكد على دور مصر كصوت لأفريقيا والجنوب. حيث حرص الرئيس خلال مداخلاته على التأكيد على أن مصر تنقل أيضاً تطلعات القارة الأفريقية والدول النامية التي تواجه تحديات اقتصادية وتنموية متزايدة، مشدداً على ضرورة منح الدول النامية دوراً أكبر في صنع القرار الاقتصادي العالمي، وإصلاح المؤسسات المالية الدولية بما يحقق عدالة أكبر في توزيع الموارد وفرص التنمية. كما دعا إلى تعزيز التمويل الميسر للدول الأفريقية لمواجهة تداعيات الأزمات العالمية المتلاحقة.
رؤية مصر للاستقرار في الشرق الأوسط
وخلال مشاركة الرئيس بجلسة الخروج من الأزمات وضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، استعرض رؤية مصر إزاء تطورات القضايا الإقليمية، مشيراً إلى ضرورة إيجاد تسوية شاملة للأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط من أجل ضمان تحقيق السلم والاستقرار الإقليمي والعالمي، خصوصاً في أعقاب ما شهدته المنطقة من معاناة جراء استمرار الحروب والصراعات بها لسنوات. وأكد أنه لا بديل عن التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، بما يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضرورة تسريع تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي للسلام في قطاع غزة.
خلاصة: حضور استراتيجي لا بروتوكولي
من هنا، لم يعد حضور مصر في حسابات قادة السبع مسألة بروتوكولية، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها الجغرافيا والتاريخ وموازين القوى في عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد والتشابك.



