السفير خالد عمارة: لا منتصر بالحرب الإيرانية والحسابات خاطئة
عمارة: لا منتصر بالحرب الإيرانية والحسابات خاطئة

مصر ودورها المحوري في احتواء التصعيد الإقليمي

قال السفير خالد عمارة، الرئيس الأسبق للبعثة الدبلوماسية لرعاية المصالح المصرية في طهران، إن مصر تضطلع بدور محوري في جهود احتواء التصعيد الإقليمي المرتبط بالأزمة الإيرانية، انطلاقاً من مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة ورؤيتها القائمة على تغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية. وأوضح أن القاهرة حذرت منذ وقت مبكر من مخاطر الحسابات الخاطئة وتداعيات اللجوء إلى القوة، وأن المواجهة العسكرية لا توفر حلولاً مستدامة لأزمات المنطقة، وهو ما دفعها إلى الانخراط مبكراً في جهود الوساطة والاتصالات الدبلوماسية المرتبطة بالملف النووي الإيراني، سعياً لمنع اتساع دائرة الصراع والحفاظ على أمن واستقرار الإقليم.

تقييم الضربات الأمريكية: حسابات خاطئة وأهداف غير محققة

أضاف عمارة، في حوار لـ«الوطن»، أن الضربات الأمريكية الأخيرة ضد إيران لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، موضحاً أن الهدف الأساسي كان تغيير النظام السياسي في إيران أو إضعافه، لكن ذلك لم يحدث. وأشار إلى أن البرامج النووية والصاروخية والطائرات المسيّرة لا تزال فاعلة، بل ربما تطورت خلال الحرب، كما أن الضغط الاقتصادي لم يحقق نتائج حاسمة، خاصة أن إيران تمتلك أدوات مؤثرة في مضيق هرمز وباب المندب، ما يمنحها قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.

مذكرة التفاهم: هدنة أم مقدمة لاتفاق أوسع؟

أكد عمارة أن الهدف الأساسي من مذكرة التفاهم هو إنهاء حالة الحرب وفتح باب التفاوض حول ملفات أخرى. وقال إن الجانب الإيراني نجح في فرض هذه المعادلة بفضل صموده العسكري والاقتصادي، وقدرته على التحكم في مضيق هرمز والتأثير على الملاحة الدولية. هذه المعطيات دفعت واشنطن للاقتناع بأن الخيار العسكري كان خاطئاً وغير مجدٍ. أما المراحل التالية فسترتبط بفتح المضيق بشكل كامل، إضافة إلى ملفات البرنامج النووي الإيراني.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إيران: دولة مستقلة في إدارة الأزمات

وصف عمارة الدولة الإيرانية بأنها مستقلة في تفكيرها وقراراتها، ولديها مساحة واسعة لممارسة هذا الاستقلال بفضل قدر من الاكتفاء الذاتي في مجالات عديدة. وأشار إلى أن إمكاناتها الضخمة ساعدتها على الصمود، ما جعلها تحقق معادلة الاستقلال والقدرة على مواجهة القوى الكبرى، خصوصاً الغرب.

العقيدة الإيرانية بعد الحرب: راسخة وأكثر قوة

أكد عمارة أن العقيدة الإيرانية راسخة في مواجهة القوى الكبرى، وأصبحت أكثر قوة بعد التطورات الأخيرة والاغتيالات، في ظل ثقافة الاستشهاد والتضحية. هذه العقيدة عززت التماسك داخل مؤسسات الدولة، وأبقت نظام ولاية الفقيه قائماً وفاعلاً. كما أن الحرب عمقت التواصل بين الأجيال، خصوصاً الشباب الجامعي، الذين شعروا بأنهم واجهوا الإمبراطورية الأمريكية بشكل غير مسبوق.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

آثار الحرب على المزاج العام داخل إيران

أوضح عمارة أنه ستجري مراجعات داخلية عندما تهدأ الحرب، لكننا لم نصل إلى هذه المرحلة بعد. المرحلة المقبلة ستفتح الباب أمام إنهاء ملفات عديدة، بما فيها الحصار الاقتصادي والتعويضات، مما قد يسمح بحوار داخلي حول مستقبل النظام السياسي، مع مشاركة أكبر للشباب، وهو أمر مهم لضبط المشهد السياسي. وأكد أن المطلوب التعامل مع مطالب الأجيال الجديدة بأسلوب سياسي، بعيداً عن المواجهات التي استُغلت سابقاً ضد الدولة.

ميزان الردع بين إيران وإسرائيل

أكد عمارة أن الردع الإيراني أثبت فعاليته، إذ تبنت طهران عقيدة صارمة: أي هجوم عليها يقابله رد أكبر بمرة ونصف أو مرتين. هذا التصعيد منح إيران قدرة ردع أكبر مما كانت عليه سابقاً، بعدما كانت تمارس ضبط النفس في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل.

الشرق الأوسط الجديد: ترتيبات جديدة

أشار عمارة إلى أن ما يجرى الآن سيقود بالضرورة إلى ترتيبات جديدة، وإن كان من المبكر تحديدها. المشروع الإسرائيلي التوسعي، القائم على اقتطاع أراضٍ وتوسيع الحدود، تلقى ضربة كبيرة. وهناك أيضاً تساؤلات حول حجم الأضرار داخل إسرائيل نفسها، في ظل التعتيم الإعلامي والقوانين التي تمنع نشر أو تصوير ما يحدث داخلياً.

السيطرة الإسرائيلية على أراضٍ جديدة: استنزاف مستمر

علق عمارة على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلاً إن هذه المناطق ما زالت تشهد مقاومة مستمرة، فالقضية ليست مجرد السيطرة العسكرية أو التعدي على الأرض، بل القدرة على الاحتفاظ بها والاستفادة منها. وأضاف أن ما يحدث في جنوب لبنان مثال واضح، حيث يواجه الجيش الإسرائيلي مقاومة متواصلة تجعل من الصعب تحويل هذه المناطق إلى «مناطق آمنة» أو مشاريع اقتصادية كما كان يُخطط. وأكد أن هذه الأراضي ليست قابلة للاستيطان أو الاستقرار الإسرائيلي، وقد تفضي الترتيبات الأمنية مستقبلاً إلى انسحابات.

انعكاس الاتفاق على ملفات المنطقة

أوضح عمارة أن الانعكاس الأساسي للاتفاق هو قدرة الإقليم على التفاوض والضغط لتغيير الأوضاع السابقة، وعلى رأسها إهدار الحقوق الفلسطينية، سواء حق تقرير المصير أو إقامة الدولة. هناك أيضاً ملفات مثل السيادة اللبنانية الكاملة والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب حتى الخط الأزرق، إضافة إلى قضية التعايش في المنطقة وشروطه خلال المرحلة المقبلة. هذا يعني أن رسم ملامح المستقبل لن يكون بيد إسرائيل وحدها، بل عبر مشاركة أطراف الإقليم وفق رؤى متعددة.

الموقف المصري: وسيط نزيه وثقل إقليمي

أكد عمارة أن مصر لاعب إقليمي كبير ومؤثر، وقد حذرت مبكراً من خطورة الحسابات الخاطئة المرتبطة بهذه الحرب. وكانت القاهرة حاضرة في جهود الوساطة منذ البداية، بل وقبل اندلاع الحرب، كما شاركت في ملفات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والاتصالات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأشار إلى أن مصر معروفة بوساطتها النزيهة، والأطراف المختلفة تثق في نزاهتها وجديتها، ورؤيتها الثابتة أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق دون حل القضية الفلسطينية.

العلاقات المصرية المتوازنة: ركيزة لحل الأزمات

أوضح عمارة أن علاقات مصر المتوازنة مع مختلف الأطراف تمثل ركيزة أساسية لحلول الأزمات. فمصر دولة ذات ثقل ومكانة، وتحظى ثقتها بقبول واسع شرقاً وغرباً، وحتى في تجمعات الجنوب العالمي مثل «بريكس»، تمتلك مصر خبرة عميقة بتاريخ المنطقة وثقافاتها، ما يجعل صوتها مسموعاً في العواصم المؤثرة. القيادة المصرية تحظى بتقدير كبير، والدليل أن مصر حاضرة دائماً في المحافل المهمة، وتُقدم كوسيط نزيه قادر على إدارة الأزمات بحكمة.

السيناريوهات المتوقعة: بين الالتزام والعودة للمواجهات

حدد عمارة سيناريوهين: السيناريو السلبي هو عدم الالتزام بمذكرة التفاهم، ما قد يعيد المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهات، كما حدث مع اتفاقيات سابقة لم تُنفذ. أما السيناريو الأفضل فيتمثل في دبلوماسية «الخطوة خطوة»، بإنهاء الحرب أولاً ثم التفاوض حول الملفات الخلافية عبر القنوات الدبلوماسية وبمساعدة الوسطاء. هذا يتطلب بناء الثقة بين إيران والولايات المتحدة، مع إدراك أن لدول الإقليم، وفي مقدمتها مصر، مصلحة أساسية في الوصول إلى مرحلة استقرار حقيقي، بعيداً عن معارك تستنزف الجميع.

ضبط التحركات الإسرائيلية

أشار عمارة إلى أن الاتفاق تضمن ضبط التحركات الإسرائيلية تجاه إيران ومصالحها، وليس فقط في لبنان رغم سخونة الساحة هناك. وأكد أن المشروع الإسرائيلي التوسعي تلقى ضربة قوية نتيجة الحسابات الخاطئة، وقد ورط الإسرائيليون الولايات المتحدة في هذه الحرب بمعلومات استخباراتية غير دقيقة. وربما نشهد مستقبلاً مراجعة أو محاسبة لهذه الأخطاء التي دفعت واشنطن إلى حرب لم تكن تتوقعها بهذا الحجم.