لم تكن زيارة وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا للصين زيارة عادية، بل كانت إعلاناً عن مشاركة وتحالف مع الصين، القطب الجديد الواعد لتحقيق موازين قوى عادلة على خريطة عالم جديد. وجاءت الزيارة أيضاً لإعلان التصدي للتهديدات الأمريكية بفرض ضرائب جديدة على الواردات البرازيلية، بالإضافة إلى رفض إعلان أمريكا لعصابتين برازيليتين كمنظمات إرهابية.
الرد البرازيلي القوي على الضغوط الأمريكية
في الوقت الذي كانت أمريكا تسعى للضغط على البرازيل للحد من علاقاتها مع الصين، جاءت الزيارة لتنعش العلاقات وتقيم تحالفات في تحدٍ قوي لأمريكا. الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو دا سيلفا أكد رفضه للقرارات والتهديدات الأمريكية، واعتبارها تدخلاً في شؤون بلاده وسيادتها. وأعلنت الصين دعمها للبرازيل وعدم المساس بسيادتها.
الرسوم الجمركية الأمريكية وتأثيرها
في الوقت الذي فرض فيه ترامب رسوماً جمركية تصل إلى حوالي 50% على الواردات البرازيلية، ومنها الصلب والألومنيوم، مما أثر على حجم التصدير البرازيلي لأمريكا. هنا فتحت الصين أسواقها للبرازيل كقوة اقتصادية كبيرة في قارة أمريكا الجنوبية، وقامت بشراء ميناء شاكاي في بيرو، وهي إحدى دول القارة، وتقوم باستثمارات كبيرة في الأعمال الثقيلة والقطارات، من شأنها محاصرة الفناء الخلفي لأمريكا.
نجحت الصين في استقطاب البرازيل، وهي إحدى دول أمريكا اللاتينية وأكبر دولة في قارة أمريكا الجنوبية مساحة وعدد سكان وجيش، وساعدتها في تجاوز التهديدات الأمريكية بفرض الرسوم الجمركية المتعسفة على صادراتها لأمريكا. وأكدت الصين رفضها التدخل في شؤون البرازيل الداخلية، وتم عقد مزيد من الاتفاقيات التجارية بينهما.
التعاون الجيوسياسي ومجموعة البريكس
الصين تساند البرازيل أيضاً في تعاون جيوسياسي، خاصة أن البرازيل ترأس مجموعة البريكس عام 2026. وهي مجموعة تضم تكتلاً اقتصادياً وسياسياً عالمياً يضم قوى اقتصادية منها الصين وروسيا وجنوب أفريقيا والهند ومصر والإمارات وإثيوبيا وإيران. تهدف المجموعة إلى التوافق على تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في التجارة العالمية، وقيام الدول الأعضاء بالتعامل التجاري والبنكي من خلال عملاتها المحلية لإنشاء نظام مالي عالمي جديد للقضاء على نفوذ الدولار الأمريكي.
ولعل أبرز ما جاء في اجتماع وزير الخارجية البرازيلي ماورو فييرا مع نظيره الصيني وانج يي هو التأكيد على أهمية تعميق التعاون بينهما، والتأكيد على أهمية تفعيل السلام العالمي والدفاع عن حقوق الدول النامية، والسعي لإقامة نظام عالمي جديد تتعدد فيه الأقطاب دون هيمنة لقطب واحد، بالإضافة إلى مزيد من الاستثمارات بين البلدين.
الضغوط الأمريكية والعلاقات التجارية الصينية البرازيلية
جاء ذلك في الوقت الذي تمارس أمريكا ضغوطاً على البرازيل للحد من علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الصين، في حين أن العلاقات التجارية بين الصين والبرازيل تشهد نمواً كبيراً في حجم الصادرات والواردات، وتعتبر الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل، وتستورد فول الصويا ولحوم الأبقار وخام الحديد والنفط وبعض المعادن الهامة، وهي إحدى ملامح نمو النهضة الصناعية في الصين.
قرار ترامب الخاطئ وتأثيره
وجاء القرار الخطأ الذي ساعد في التقارب البرازيلي مع الصين، عندما أعلن ترامب اعتبار عصابتي كوماندو فيرميلو والأخرى الأولاد البرازيليتين منظمات إرهابية بدعوى المسؤولية عن تجارة الكوكايين داخل أمريكا وارتكاب جرائم عنف. أعتقد أنه كان قراراً سياسياً في الدرجة الأولى وليس أمنياً، لتبقى في يده ورقة توهم أنها تضغط على البرازيل لانحيازها للصين في مجموعة البريكس، بالإضافة لعدم توافق البرازيل مع أمريكا في الضغط على روسيا والمشاركة في سلاح العقوبات الغربية عليها، وللحد من علاقتها مع الصين.
أعتقد أن ترامب يجد صعوبة في استقطاب البرازيل، ويريد إحراج الرئيس البرازيلي بإعلان ضعفه الأمني أمام شعبه، بالإضافة للضغط الاقتصادي عليه، وقد يكون مبرراً للتدخل في شؤون البرازيل بالتعرض لعقوبات تصل لتجميد بعض الأصول البنكية أو القيام بعملية استخباراتية داخل البرازيل، مثلما حدث في فنزويلا لكن بوسيلة مختلفة.
الرد البرازيلي القوي وتداعياته
ترامب فوجئ بالرد البرازيلي القوي على لسان الرئيس لويس إيناسيو برفض تهديداته وقراراته، وأكد اعتراضه على المساس بشعبه ورفضه تصنيفهم بالإرهابيين. وأعتقد أن ترامب فتح جبهة معارضة جديدة في أمريكا اللاتينية، حيث توهم أن ما قرره سيكون ورقة ضغط ورسالة للبرازيل بالرضوخ. غير أن الرد والتصرف القوي للرئيس البرازيلي ولجوئه للتحالف مع الصين كان ضربة قاصمة لخياله وعدم دقة حساباته.
استغلال الصين للقرار الأمريكي
استغلت الصين قرار ترامب المتهور، وأعلنت تأييدها للبرازيل برفض التدخل في شؤونها الداخلية، وقامت بعرض تكنولوجيا المراقبة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة تحليل البيانات التي تستخدمها في شينجيانج، وهي منطقة ذاتية الحكم تقع أقصى الشمال الغربي من الصين، وأكبر الأقاليم الصينية مساحة. العرض الصيني يدعو البرازيل لعدم الاهتمام بتكنولوجيا FBI، وهو جهاز الاستخبارات والأمن الداخلي في أمريكا، لأن لديها ما هو أهم وأقوى. ويعتبر العرض الصيني تغلغلاً أمنياً، لأنه ببساطة يجعلها تقوم بتصدير نفوذها في التكنولوجيا الأمنية للبرازيل، وبالتالي تغزو دول أمريكا اللاتينية بأحدث أنظمة المراقبة.
أيضاً قامت الصين بزيادة استثماراتها في الموانئ البحرية شمال البرازيل. وأعتقد أنها نقطة في غاية الأهمية، لطمأنة البرازيل لأن تلك الموانئ كانت تستخدمها العصابات في التهريب، وبالتالي دخول الصين طمأنة للأمن البرازيلي بالإضافة لمكسب آخر وهو الفوز بموانئ بحرية استراتيجية في البرازيل. الصين في اعتقادي لا تهتم بشأن العصابتين، قدر اهتمامها بالتحالف مع البرازيل والتواجد في قارة أمريكا الجنوبية، وبالتالي النفاذ لدول أمريكا اللاتينية.
استراتيجية البرازيل: أصدقاء قدامى وجدد
الرئيس البرازيلي دا سيلفا يتعامل بمنطق أن اليدين لهما اختصاص، الأولى تصافح الأصدقاء القدامى، والثانية تصافح أصدقاء جدد. وهو ما حدث حينما قام ترامب بتهديده، فقام على الفور بالتعاون والتحالف مع الصين، وبالتالي مع روسيا، وهما القطبان اللذان يضمن معهما التواجد في التحالف العالمي الجديد.
البرازيل تعتبر أكبر دول قارة أمريكا الجنوبية ودول أمريكا اللاتينية مساحة وعدد سكان وأيضاً جيش، ولديها حدود مع 10 دول. وعندما تتحالف البرازيل مع الصين، تخسر أمريكا جزءاً من أمنها لأن الجيش البرازيلي أقوى جيوش دول أمريكا اللاتينية، وترغب أمريكا أن يكون معها وليس ضدها. بالإضافة وهو الأهم، نمو التواجد الصيني داخل دول أمريكا اللاتينية عن طريق البرازيل، وهو ما تخشاه أمريكا.
الآن: ترامب يلجأ للتفاوض
الآن وكعادته، حينما يشعر ترامب أنه قد يخسر جولة، يلجأ لدعم التفاوض عن طريق وسيط. يعرض ترامب التفاوض بشأن تخفيض الرسوم الجمركية المتبادلة بينهما التي أعلنها في البداية، وقابلها الرئيس البرازيلي بنفس الحدة على الواردات الأمريكية للبرازيل. بينما لجأت البرازيل للتعويض وللحفاظ على قوة صادراتها بزيادة الملف التجاري مع الصين التي فتحت لها أسواقها في رسالة مفادها: نحن شركاء بديلاً عن الغرور والتعنت الأمريكي.



