حذر الكاتب والمحلل البريطاني جيريمي بوين من أن التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران قد يدفع الشرق الأوسط نحو أزمة طويلة الأمد، مشيرا إلى أن الرهانات الأمريكية-الإسرائيلية على إضعاف النظام الإيراني لم تحقق النتائج المتوقعة. وأكد بوين أن تطورات المواجهة الأخيرة كشفت عن تعقيدات المشهد الإقليمي، وأظهرت قدرة طهران على مواصلة الردع والتأثير في المعادلات الاستراتيجية، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار يصعب التنبؤ بمآلاتها.
ترامب ونتنياهو في مواجهة تعقيدات إيران
وقال بوين في مقال نشره موقع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": إن الهجمات العسكرية الأمريكية على إيران تعكس محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجنرالاته إظهار الحزم والقوة ردا على إسقاط إيران لمروحية الأباتشي الأمريكية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سير العملية الدبلوماسية البطيئة وغير المثمرة حتى الآن.
وأضاف أن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أرادا إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكنهما يواجهان الآن خطر أزمة دائمة. لقد اعتقدا أن النصر على إيران سيعيد تشكيل المنطقة، لكن المنطقة تعاد تشكيلها بالفعل، ولكن ليس بالطريقة التي توقعاها. لم تهزم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن الخطر الآن يكمن في أزمة طويلة الأمد، تتأرجح بين الصراع المباشر والانسحاب منه.
فقدان السيطرة على العواقب
يشغل بوين منصب المحرر الدولي في "بي بي سي" منذ أغسطس 2022، حيث يقدم تقارير وتحليلات ميدانية حول النزاعات والحروب والتطورات الجيوسياسية العالمية الكبرى. وقد أمضى أكثر من 40 عاما كمراسل أجنبي، غطى خلالها أحداث أكثر من 90 دولة وأكثر من 20 حربا.
يقول بوين: أثبت النظام الإيراني أنه أكثر صعوبة في السيطرة عليه مما افترضه ترامب ونتنياهو. لقد أخطأ الطرفان في تقديرهما لقوة إيران، وفقدا السيطرة على العواقب. آخر هذه العواقب هو إسقاط إيران لمروحية الأباتشي الأمريكية، وهو تذكير آخر بأن حكام إيران ما زالوا قادرين على إلحاق الضرر بالأمريكيين، ولن يتزحزحوا عن عزمهم على الخروج من هذه الحرب منتصرين. بالنسبة لهم، النصر يعني البقاء وتعزيز الردع، من خلال الاعتراف بسيطرتهم على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.
ترامب يبحث عن مخرج وهمي
في المقابل، يعول ترامب على اتفاق مع إيران لإعادة فتح مضيق هرمز والاتفاق على شروط محادثات طويلة الأمد حول القضايا الكبرى، بدءا من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ومخططاتها النووية الأوسع. ويشن حربا لا تحظى بشعبية في أمريكا، وهو يسعى إلى مخرج يقدمه على أنه نصر. لكن هذا يثبت أنه تحد صعب.
دروس التاريخ القديمة
منذ أن اكتشف الإنسان فن الحرب ولعنتها، أدرك القادة أن بدء الحرب أسهل من إنهائها بنصر حاسم. وعندما قاد كل منهما بلاده إلى الحرب مع إيران في آخر يوم من شهر فبراير، أصدر كلاهما بيانين مصورين، واختارا كلمات تعكس افتراضا بأن لحظة تغيير تاريخي باتت وشيكة. كان النظام الذي حكم إيران منذ الإطاحة بالشاه عام 1979 في طريقه إلى الزوال.
يقول بوين: في الساعات الأولى من الصباح في منتجعه مارالاجو بولاية فلوريدا، استأنف ترامب وعده الذي قطعه لمعارضي النظام الإيرانيين في يناير بأن "المساعدة قادمة"، قائلا: "إلى الشعب الإيراني العظيم الفخور، أقول الليلة إن ساعة حريتكم قد حانت. ابقوا في منازلكم. لا تخرجوا. الوضع خطير للغاية في الخارج. ستسقط القنابل في كل مكان. عندما ننتهي، تولوا زمام الحكم. سيكون لكم أنتم. ربما تكون هذه فرصتكم الوحيدة لأجيال قادمة".
وفي صباح اليوم التالي، وقف نتنياهو تحت أشعة الشمس على سطح مبنى مقر وزارة الحرب الإسرائيلية الشاهق في وسط تل أبيب، ليسجل خطابه. وكما فعل ترامب، تحدث نتنياهو وكأن "النصر حتمي"، مضيفا: هذا التحالف من القوات يمكننا من تحقيق ما تمنيته طوال أربعين عاما؛ سنسحق نظام الإرهاب سحقا. هذا ما وعدت به، وهذا ما سنفعله.
الاستهانة بقوة النظام الإيراني
يقول بوين: في المقابل، عندما واجه نتنياهو الكاميرات بعد أن طلب منه ترامب إلغاء خططه لمهاجمة بيروت يوم الاثنين، وصفه بن كاسبيت، كاتب العمود البارز في إحدى الصحف الإسرائيلية، بأنه بدا مثل بالون منفوخ.
ويضيف: لا بد أن الرجلين يتساءلان الآن عن سبب هذا الخلل. فالولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم، وإسرائيل هي القوة العظمى في الشرق الأوسط. لقد استهانا بصمود النظام الإيراني، واعتقدا أن قتل قائده الأعلى وأقرب مساعديه سيؤدي إلى انهيار النظام من الداخل. لقد بالغوا في تقدير فعالية القوة العسكرية ضد نظام واجه تهديدات متكررة لما يقرب من 50 عاما، ونجح في بناء نفسه ليصمد أمام أي هجوم، وفكر شيد مفهومه للأمن القومي اعتمادا على معتقداته دينية وأيديولوجية.
قادة إيران الجدد أكثر تشددا
يقول بوين: لقد تلقت دول الخليج النفطية، حليفة الولايات المتحدة، ضربات موجعة. ولا يقتصر الأمر على خسارة عائدات البتروكيماويات ومشتقاتها، كالأسمدة، بل إنها بنت مستقبلها على خلق واحة استقرار وتنمية أعمال بمليارات الدولارات في الخليج. ويرى المستثمرون المحتملون والسياح أن الحرب ستحول هذه الرؤية إلى سراب.
وفي المقابل، يعتقد النظام الإيراني أن بقاءه وسهولة سيطرته على الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز يمكن ترجمته إلى رادع طويل الأمد ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا يزال هذا الممر المائي الحيوي، الذي كان مفتوحا حتى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، يواجه تهديدات كبيرة. وبدون تحقيق اختراقات دبلوماسية كبيرة، يصعب التكهن باستعادة قدراته في مرحلة ما قبل الحرب، بحسب بوين.
ويتابع: إن الرجال الذين حلوا محل الحرس القديم من القادة الإيرانيين الذين قتلوا على يد إسرائيل والولايات المتحدة لا يقلون أيديولوجية عن أسلافهم، لكنهم أكثر استعدادًا للمخاطرة فيما يعتبرونه صراعًا وجوديًا. فهم يعتقدون أن الكلام وحده لن يوقف المزيد من الهجمات في المستقبل من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل. بل يريدون إثبات أن المزيد من الهجمات على إيران سيؤدي إلى عواقب وخيمة.



