حذرت كاتبة في صحيفة «الجارديان» من أن الهدنة القائمة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي بدأت في 8 أبريل، قد تتحول إلى حالة جمود طويلة الأمد، بدلاً من أن تكون مدخلاً لاتفاق سياسي مستدام، ما لم ينجح الطرفان في تحقيق اختراق دبلوماسي حقيقي.
وأشارت الكاتبة سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد «تشاتام هاوس»، في مقالها، إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصاعداً متقطعاً في التوتر، رغم استمرار الهدنة، مع امتداد التوترات من الخليج إلى لبنان، وتنفيذ ضربات أمريكية وردود إيرانية وهجمات إسرائيلية متفرقة، في إطار ما وصفته بحالة «اللا حرب واللا سلم».
تصعيد مستمر رغم الهدنة
وبحسب المقال، شهدت الفترة الأخيرة ضربات أمريكية إضافية ضد إيران، وردوداً إيرانية استهدفت مواقع في الكويت والبحرين، إلى جانب تصعيد إسرائيلي في لبنان، مشيرة إلى أن هذه التطورات جرى احتواؤها سريعاً، لكنها تعكس هشاشة التهدئة القائمة. وترى الكاتبة أن استمرار هذا النمط من التصعيد المحدود قد يحوّل الهدنة إلى حالة جمود إقليمي، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة.
أزمة ثقة بين الطرفين
وتعتبر وكيل أن أولى العقبات الجوهرية أمام أي اتفاق تتمثل في انعدام الثقة المتبادل، إذ لا تعتقد إيران أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قادر على الالتزام بأي تفاهم طويل الأمد، أو أن الاتفاقات لن تتعرض للتغيير أو التوسع التدريجي في شروطها. كما تخشى طهران أن تمتد المطالب الأمريكية من الملف النووي إلى الصواريخ والسياسات الإقليمية، وصولاً إلى اشتراطات سياسية أوسع.
غياب قنوات التفاوض المباشر
وتشير الكاتبة إلى أن غياب قنوات اتصال مباشرة وفعالة بين واشنطن وطهران يمثل عقبة رئيسية، إذ لم يعد هناك مسار تفاوضي ثابت يعتمد عليه الطرفان، وأصبحت المفاوضات تعتمد على وسطاء إقليميين وتبادل غير مباشر للمقترحات.
تباين في طبيعة الاتفاق المطلوب
وتضيف أن الخلاف لا يقتصر على مضمون الاتفاق، بل يمتد إلى طبيعته نفسها؛ فإيران تطالب بضمانات واضحة تتعلق برفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وآليات تنفيذ دقيقة تمنع أي تراجع مستقبلي. في المقابل، تسعى واشنطن إلى تفاهم سريع ومرن يمكن تسويقه سياسياً باعتباره إنجازاً دبلوماسياً، حتى لو لم يتضمن تفاصيل تنفيذية عميقة.
ضغوط السياسة الداخلية
وترى وكيل أن المشهد الداخلي في البلدين يزيد من تعقيد المفاوضات، إذ يواجه أي اتفاق محتمل في الولايات المتحدة معارضة سياسية من الجمهوريين والتيارات المتشددة، بينما قد يُنظر في إيران إلى أي تسوية بلا ضمانات كافية وتخفيف فعلي للعقوبات على أنها تنازل سياسي كبير.
كل طرف يعتقد أنه في موقع أقوى
وتشير الكاتبة إلى أن كلا الطرفين يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه؛ فإيران ترى أنها صمدت أمام الضغوط والعقوبات والحصار، وأن مؤسساتها لم تنهَر، بل عززت قدرتها على المناورة في الإقليم، بما في ذلك عبر أوراق ضغط استراتيجية. في المقابل، تعتقد الولايات المتحدة أنها حققت تفوقاً عسكرياً واستراتيجياً، وأن الضغوط الاقتصادية على إيران تتزايد، ما سيدفعها في النهاية إلى القبول بتسوية محدودة.
الطرفان يخسران
وتخلص الكاتبة إلى أن هذا التقدير من الجانبين لا يعكس الواقع، معتبرة أن «الحقيقة أن الطرفين يخسران». فمن جهة، تتحمل الولايات المتحدة تكاليف سياسية واقتصادية متزايدة، بينما تبقى أسواق الطاقة في حالة قلق دائم، وتتعرض مصالح حلفائها في الخليج لمخاطر التصعيد. ومن جهة أخرى، تعاني إيران من ضغوط اقتصادية حادة، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة، إلى جانب تحديات اجتماعية وسياسية داخلية متراكمة.
هدنة بلا سلام
وترى وكيل أن أخطر ما في الوضع الراهن هو أن الهدنة نجحت في منع حرب شاملة، لكنها لم تنجح في بناء مسار سلام حقيقي، ما يجعلها عرضة للاهتزاز في أي لحظة. وتحذر من أن استمرار إدارة الأزمة عبر التأجيل والوساطات غير المباشرة قد يمنح انطباعاً زائفاً بالاستقرار، بينما تبقى احتمالات التصعيد قائمة.
دعوة إلى تحرك دبلوماسي مباشر
وفي ختام تحليلها، تدعو الكاتبة إلى تحويل الهدنة إلى مسار سياسي فعلي عبر تواصل مباشر بين واشنطن وطهران، ووضع جدول زمني واضح للتفاوض، مع استعداد متبادل لتقديم تنازلات حقيقية. وتؤكد أن غياب هذه الخطوات قد يجعل هدنة أبريل مجرد محطة مؤقتة، تمهد لجولة جديدة وأكثر تعقيداً من التوتر في المنطقة.



