تحليل: هل بالغت وكالة مهر الإيرانية في تصوير التعاطف المصري مع طهران؟
هل بالغت مهر في تصوير التعاطف المصري مع إيران؟

في أحياء مصر الشعبية الممتدة من القاهرة إلى الإسكندرية شمالاً وإلى الصعيد جنوباً، يجلس البسطاء أمام هواتفهم يتابعون فيديوهات متنوعة. بعضها يستحضر حرب أكتوبر 1973 كرمز للذاكرة الوطنية والقومية المصرية، وأخرى توثق مشاهد من غزة تعكس عمق التعاطف مع القضية الفلسطينية، إلى جانب محتوى يتناول إيران ضمن سياق فكرة "العدو المشترك"، في سردية لحظية تتجاوز الاختلافات السياسية والمذهبية.

الموقف الشعبي المصري من إيران: ظرفي أم دائم؟

يمكن ملاحظة أن الموقف الشعبي المصري تجاه إيران لا يتسم بالثبات أو الاستقرار، بل يتشكل بمرونة تبعاً لطبيعة الأحداث الإقليمية والسياقات الإعلامية المحيطة بها، أكثر من كونه موقفاً سياسياً راسخاً. فالتعاطف أو التحفظ تجاه إيران يظهر بصورة ظرفية، غالباً ما تتأثر بموقع إيران في الصراعات الإقليمية، خاصة عند ارتباطها بالمواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. وهذا يجعل التفاعل أقرب إلى الاستجابة اللحظية منه إلى اصطفاف سياسي دائم.

عاملان رئيسيان يشكلان الموقف الشعبي

في هذا السياق، يشكل عاملان رئيسيان الموقف الشعبي المصري تجاه طهران. أولهما الفصل بين إيران كدولة وبين الحدث السياسي أو العسكري المرتبط بها، حيث يتعامل جزء من الجمهور مع كل واقعة بشكل منفصل دون تبني موقف شامل تجاه إيران "كدولة". أما العامل الثاني فيتعلق بالقضية الفلسطينية التي تظل عنصراً محورياً في تشكيل المزاج الشعبي المصري، إذ يحظى أي طرف ينظر إليه كداعم لفلسطين بدرجة من التعاطف، حتى مع استمرار التحفظات السياسية والإقليمية تجاهه.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تقرير وكالة مهر الإيرانية: بين الواقع والمبالغة

ضمن هذا السياق، يمكن التعامل مع تقرير نشرته وكالة "مهر" الإيرانية، والذي عكس تبايناً واضحاً بين توصيف الإعلام الإيراني لطبيعة هذا التفاعل وحجمه الفعلي داخل الشارع المصري. تقول الوكالة الإيرانية: "في قلب الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع التحديات الجيوسياسية المعاصرة، يبرز دعم الشعب المصري للشعب الإيراني في مواجهته للتحالف الصهيوأمريكي كظاهرة تعكس عمق الوعي الشعبي العربي. وهو دعم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ مشترك من المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار". ويتجلى هذا الانسجام، بحسب التقرير، في التزامن التاريخي بين حرب أكتوبر 1973 والأحداث الراهنة في إيران، خاصة مع وقوع الحربين في شهر رمضان بحسب التقويم الهجري.

تشابه الموقفين المصري والإيراني

يضيف التقرير: في السادس من أكتوبر 1973، الموافق للعاشر من رمضان 1393 هجرياً، شن الجيش المصري هجومه التاريخي عبر قناة السويس، محطماً خط بارليف ومعيداً الكرامة العربية بعد نكسة 1967. واستمرت حرب الاستنزاف والتحرير من 1967 حتى 1973، شهدت ست سنوات من التضحيات، حيث قدم المصريون البسطاء أرواحهم كشهداء وأسرى في مواجهة إسرائيل كعدو واضح يحظى بدعم أمريكي غير محدود.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وعلى الرغم من أن مظاهر التفاعل الشعبي في مصر مع الأحداث المرتبطة بإيران تظل في الغالب محدودة في إطار متابعة ومشاركة بعض المقاطع المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد زعمت وكالة "مهر" الإيرانية أن "شرائح واسعة من المصريين، ولا سيما الفئات البسيطة، شاركت في ما وصفته بحملة إعلامية شعبية غير مسبوقة عبر إنتاج ومشاركة مقاطع فيديو وأغان شعبية تنتقد السياسات الأمريكية والإسرائيلية وتعبر عن دعم كامل لإيران".

تغير موازين القوى

تقول الوكالة الإيرانية: تمكنت طهران، للمرة الثانية في أقل من عام، من الصمود والانتصار في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل مجتمعتين، سواء في الحرب الأولى التي اندلعت بين 13 و24 يونيو 2025 (حرب الـ12 يوماً)، أو الحرب الثانية في 28 فبراير 2026، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة واسعة تحت اسم "الغضب الملحمي". وكانت النتيجة واحدة: فشل ذريع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية. وتضيف: على الرغم من الضربات الأولية التي استهدفت قيادات إيرانية، لم تستطع الولايات المتحدة وإسرائيل إنهاء المشروع النووي الإيراني ولا القضاء على النظام. بل تكبدت الولايات المتحدة خسائر فادحة في قواتها الجوية وقدراتها الضاربة. واستمرت الحرب أقل من 40 يوماً فعالة، حيث أجبر إغلاق مضيق هرمز أمريكا على التراجع أمام كارثة اقتصادية وشيكة، وكذبت الإدارة الأمريكية على مستوى الرئاسة وسكرتاريتها، محاولة تصوير العملية كنجاح، بينما كانت النتيجة صفرية استراتيجياً واقتصادياً.

الشعب المصري سند لكل مقاوم

وبحسب الوكالة، فإن "هذا الصمود الإيراني يذكر المصريين بانتصار أكتوبر، حيث تحولت المفاجأة الأولى إلى إنجاز تاريخي رغم التفوق التكنولوجي للعدو. في قلب الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع التحديات الجيوسياسية المعاصرة، يبرز دعم الشعب المصري الواسع للشعب الإيراني في مواجهته للتحالف الصهيوأمريكي كظاهرة تعكس عمق الوعي الشعبي العربي. وهذا الدعم ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ مشترك من المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار". وتبقى الخاتمة كأحد أصدق نقاط التلاقي الشعبية بين مصر وإيران، حيث تنهي الوكالة تقريرها بالقول: يظل الشعب المصري، ببساطته وعمق تاريخه، سنداً لكل مقاوم. ومن رمضان 1393 إلى رمضان اليوم، كانت الرسالة واحدة: الكرامة لا تشترى، والشهداء لا ينسون.