نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تحليلاً يرسم سيناريو تحول جذري داخل إيران بعد سلسلة مواجهات عسكرية كبرى مع الولايات المتحدة وإسرائيل خلال عامي 2025 و2026، حيث انتهت هذه المواجهات بإعادة تشكيل بنية الدولة الإيرانية بدلاً من انهيارها، وفق التصور المطروح في التحليل.
من الثورة إلى الدولة القومية الأمنية
يركز التحليل على ما يسميه انتقال إيران من دولة ثورية إلى دولة قومية أمنية، حيث لم تعد الأيديولوجيا الثورية هي المحرك الأساسي للسياسات الداخلية والخارجية، بل اعتبارات البقاء وإدارة القوة وتوازن الردع. ويشير إلى أن الجيل المؤسس للنظام، الذي تشكلت رؤيته من مناهضة النفوذ الغربي وتصدير الثورة، بدأ يفقد تأثيره لصالح جيل جديد من قادة الحرس الثوري والمسؤولين الأمنيين، الذين نشأوا داخل مؤسسات الدولة ويملكون رؤية أكثر تكنوقراطية وإدارية للحكم.
صعود الحرس الثوري كمركز ثقل
وفق السيناريو الذي يطرحه المقال، أصبح الحرس الثوري الإيراني اللاعب المركزي في إعادة هيكلة الدولة، ليس فقط عسكرياً بل إدارياً واقتصادياً أيضاً، مع نقل جزء من صلاحيات الحكومة المركزية إلى الأقاليم، وإعادة تنظيم مؤسسات الدعاية والأمن والاقتصاد. ويصف هذا التحول بأنه انتقال من منطق الثورة المستمرة إلى منطق إدارة الدولة تحت الضغط، حيث تُقاس القرارات بمدى فعاليتها في تعزيز الصمود الوطني وليس بمدى توافقها مع الأيديولوجيا.
عقيدة عسكرية جديدة للحرب غير المتكافئة
على المستوى العسكري، يشير المقال إلى أن إيران طورت عقيدة تقوم على الحرب غير المتكافئة، عبر توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ البعيدة المدى، وتوزيع منصات الإطلاق على نطاق جغرافي واسع، بما يقلل من فاعلية الضربات الاستباقية. كما تعتمد هذه العقيدة على استنزاف قدرات الخصوم الدفاعية بدلاً من المواجهة المباشرة، خصوصاً عبر إغراق أنظمة الدفاع الجوي وإرباك مراكز القيادة والسيطرة.
مضيق هرمز كورقة استراتيجية
من أبرز عناصر التحول، تعزيز إيران لسيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة العالمية. ويرى المقال أن هذا التطور يمنح طهران أداة ضغط اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة، ويعيد صياغة علاقة الردع بينها وبين الولايات المتحدة، بحيث يصبح أي تصعيد عسكري مرتبطاً مباشرة بتداعيات على أسواق الطاقة العالمية.
عقد اجتماعي جديد وتماسك وطني مؤقت
داخلياً، يصف المقال ظهور عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، يقوم على الكفاءة والقدرة على الحماية وإعادة الإعمار، بدلاً من الشرعية الأيديولوجية أو الدينية فقط. ورغم استمرار القبضة الأمنية، يشير التحليل إلى أن الحرب أنتجت نوعاً من التماسك الوطني المؤقت، حيث التف جزء من المجتمع حول الدولة في مواجهة التهديد الخارجي، ما ساهم في تقليص الفجوة التقليدية بين النظام والمجتمع خلال فترة الصراع.
إعادة تموضع إقليمي ودولي
على الصعيد الخارجي، يتوقع المقال أن تتجه إيران إلى تعزيز شراكتها مع الصين كقوة اقتصادية ودبلوماسية رئيسية، في مقابل تراجع احتمالات التفاهم طويل الأمد مع الولايات المتحدة، التي ترى فيها طهران طرفاً يسعى إلى فرض شروط استسلام سياسي لا تسويات تفاوضية. كما يحتفظ النظام الإيراني بشبكته الإقليمية من الحلفاء، مثل حزب الله والميليشيات العراقية والحوثيين، لكن بطريقة أكثر انضباطاً وارتباطاً بحسابات الدولة القومية بدلاً من البعد الأيديولوجي الثوري.
يخلص المقال إلى أن إيران الخارجة من الحرب، وفق هذا السيناريو، لم تعد دولة ثورية تقليدية، بل كياناً هجيناً يجمع بين القومية الصارمة والدولة الأمنية ذات الطابع العسكري، مع تراجع تدريجي للأيديولوجيا لصالح منطق الدولة والردع. ويرى أن هذا التحول قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، ليس عبر انهيار النظام الإيراني، بل عبر تطوره إلى نموذج أكثر صلابة وتعقيداً في إدارة القوة والنفوذ الإقليمي.



