واشنطن ومعركة البقاء على قمة العالم: الهيمنة الأمريكية في مواجهة التعددية القطبية
واشنطن ومعركة البقاء على قمة العالم

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع العقد الأخير من الألفية الثانية، وعقب نهاية الحرب الباردة، برزت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الكبرى الوحيدة المسيطرة على النظام الدولي، حيث تمكنت من فرض نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري على أغلب مناطق العالم.

وقد سعت الإدارة الأمريكية خلال العقود الأخيرة إلى الحفاظ على هذه الهيمنة ومنع ظهور أي قوى دولية منافسة يمكن أن تهدد موقعها كقطب أوحد في العالم. وفي هذا الإطار، برزت كل من روسيا والصين باعتبارهما أبرز القوى المرشحة لتشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب، إلا أن الولايات المتحدة عملت على احتواء صعودهما بوسائل متعددة سياسية واقتصادية وعسكرية.

مواجهة الصعود الروسي

ففيما يتعلق بروسيا، حاولت موسكو منذ وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى السلطة استعادة مكانتها الدولية التي فقدتها بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، من خلال تطوير قدراتها العسكرية وتوسيع نفوذها في مناطق عديدة مثل الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

إلا أن الأزمة الأوكرانية مثلت نقطة تحول مهمة في مسار الصعود الروسي، حيث أدى تورط روسيا في الحرب مع أوكرانيا إلى استنزاف اقتصادي وعسكري كبير، خاصة بعد فرض الولايات المتحدة والدول الغربية عقوبات اقتصادية قاسية على موسكو، شملت قطاعات الطاقة والبنوك والتكنولوجيا. وقد هدفت هذه العقوبات إلى إضعاف الاقتصاد الروسي ومنع روسيا من التحول إلى قطب عالمي قادر على منافسة النفوذ الأمريكي.

التحدي الصيني

أما الصين، فقد شهدت خلال العقود الماضية نموًا اقتصاديًا هائلًا جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كما توسع نفوذها التجاري والاستثماري في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر مبادرات كبرى مثل "الحزام والطريق". وقد أثار هذا الصعود السريع مخاوف الولايات المتحدة من انتقال مركز القوة الاقتصادية العالمية إلى بكين. لذلك اتجهت واشنطن إلى فرض قيود وعقوبات اقتصادية وتجارية على الصين، خاصة في مجالات التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، إلى جانب تصعيد التوترات السياسية حول قضايا مثل هونج كونج وتايوان. وقد ساهمت هذه السياسات في إبطاء بعض جوانب التوسع الصيني ومحاولة الحد من قدرتها على التحول إلى قطب دولي مواز للولايات المتحدة.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

التعامل مع الأنظمة المناهضة

ولم يقتصر الدور الأمريكي على مواجهة روسيا والصين فقط، بل امتد إلى التعامل بحزم مع الأنظمة السياسية التي تحاول الخروج عن النفوذ الأمريكي أو تبني سياسات معادية لواشنطن. ففي فنزويلا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية وسياسية على النظام الحاكم بسبب خلافاته مع السياسات الأمريكية، وهو ما انعكس على الوضع الاقتصادي الداخلي للدولة. كما استمرت العقوبات الأمريكية المفروضة على كوبا منذ عقود طويلة بهدف الضغط على النظام السياسي هناك ومنع تمدد النموذج المناهض للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية. كذلك شهدت دول أخرى في القارة اللاتينية أشكالًا متعددة من التدخل السياسي والاقتصادي الأمريكي للحفاظ على النفوذ التقليدي لواشنطن داخل ما تعتبره مجالها الحيوي.

الضغوط على إيران

وفي منطقة الشرق الأوسط، تبرز إيران كواحدة من أبرز الدول التي تواجه ضغوطًا أمريكية مستمرة بسبب خروجها من النفوذ الأمريكي منذ قيام الثورة الإسلامية في عام 1979 والسعي إلى تطوير برنامج نووي وبناء منظومة صاروخية وتوسيع نفوذها الإقليمي. وقد استخدمت الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية والعزلة السياسية لمحاولة تقليص الدور الإيراني في المنطقة ومنع طهران من التحول إلى قوة إقليمية مؤثرة قد تهدد المصالح الأمريكية وحلفاءها، ولم تكتفي الولايات المتحدة بذلك بل شنت عليها مؤخرًا حرب عدوانية بهدف إسقاط النظام السياسي الإيراني واستبداله بنظام تابع لواشنطن.

محاولات بناء نظام متعدد الأقطاب

وفي مقابل هذه الهيمنة الأمريكية، ظهرت محاولات دولية لبناء نظام عالمي أكثر توازنًا، وكان من أبرزها تأسيس مجموعة بريكس عام 2009، التي تضم كلًا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، ثم انضمت إليها دول أخرى لاحقًا. وتهدف هذه المجموعة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدول الصاعدة وتقليل الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية والدولار الأمريكي. كما تسعى إلى دعم فكرة التعددية القطبية في مواجهة السيطرة الأمريكية على النظام الدولي.

استمرار القوة الأمريكية

ورغم هذه المحاولات المناهضة للهيمنة الأمريكية، ما تزال الولايات المتحدة تمتلك عناصر قوة هائلة تجعلها القطب الأكثر تأثيرًا في العالم، سواء من خلال تفوقها العسكري، أو سيطرتها على المؤسسات الاقتصادية الدولية، أو نفوذها السياسي والإعلامي الواسع. كما أن قدرتها على فرض العقوبات الاقتصادية والتأثير في التحالفات الدولية تمنحها أدوات فعالة للحفاظ على موقعها القيادي. ولذلك يمكن القول إن العالم يعيش حاليًا مرحلة صراع بين استمرار الأحادية القطبية التي تقودها الولايات المتحدة، وبين محاولات القوى الصاعدة، خاصة روسيا والصين ودول البريكس، لبناء نظام دولي متعدد الأقطاب يحد من الهيمنة الأمريكية على الساحة العالمية، لكن حتى اللحظة تتفوق واشنطن في معركة البقاء على قمة العالم.