أحمد شيخو: السلام بين تركيا والأكراد بين الحل الشامل واستراتيجيات التصفية
السلام بين تركيا والأكراد: آفاق الحل واستراتيجيات التصفية

أحمد شيخو يكتب: السلام بين الدولة التركية والحركة الكردية

بعد مرور نحو عام وثلاثة أشهر على انطلاق مسار السلام بين تركيا والحركة التحررية الكردية بقيادة عبدالله أوجلان، ما تزال العملية السياسية تحافظ على حساسيتها الاستراتيجية وتأثيرها العميق في توازنات الشرق الأوسط. غير أن المشهد العام يزداد تعقيدًا في ظل غموض سياسي متصاعد وتشاؤم حذر يحيطان بمستقبل هذا المسار.

ويعود ذلك، بحسب مراقبين، إلى التباين الجوهري بين رؤيتي الطرفين؛ فبينما تنطلق الحركة الكردية من مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي عبر مفهوم “الأمة الديمقراطية”، يبدو أن الدولة التركية تتعامل مع ملف السلام بوصفه أداة تكتيكية لإضعاف البنية التنظيمية والسياسية للحركة الكردية دون تقديم تغييرات بنيوية في طبيعة النظام القائم.

يضعنا هذا التباين الصارخ أمام إشكالية معرفية وسياسية معقدة: هل يمكن لطرفين تحقيق أهداف متناقضة وجوديًا باستخدام وسيلة واحدة وهي السلام؟ وإلى أي مدى يمكن للمسار التفاوضي أن يصمد أمام غياب المشتركات الفلسفية والسياسية بين عقلية ديمقراطية تبحث عن التعددية، وعقلية دولتيّة تبحث عن الاحتواء والإخضاع؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

جدلية السلام بين التصفية الاحتوائية والحل الجذري

تثبت القراءة التاريخية والتحليل السوسيولوجي لعمليات السلام والنزاعات الإثنو-سياسية حول العالم أن الإجابة عن إشكالية "الوسيلة والغاية" في مسارات التفاوض تحمل وجهين متناقضين، يتحددان بناءً على موازين القوى وعقلية النخب الحاكمة:

1- سلام التصفية والاحتواء (التسويات غير المتكافئة)

نجحت بعض الأنظمة السياسية السلطوية تاريخيًا في تفكيك حركات التحرر الوطني ونزع سلاحها عبر بوابات ما يُعرف بـ "التسويات الإجرائية المقيدة". في هذه النماذج، تُستغل الدولة ميزان القوى لصالحها لفرض شروط استسلام مغلفة بلغة السلام، دون منح الحقوق الجوهرية أو الاعتراف بالهوية الثقافية والسياسية للطرف الآخر.

  • النموذج السريلانكي: يمثل حالة "التصفية العنيفة" عبر سحق "نمور تاميل" عسكريًا بعد استنزافهم في مسارات تفاوضية عقيمة.
  • النموذج الفلسطيني (اتفاقيات أوسلو): يمثل حالة "الاحتواء البيروقراطي"؛ حيث أُدخلت حركة التحرر الوطني في دهاليز حكم ذاتي مقيد، تحولت بموجبه السلطة الناشئة إلى أداة وظيفية لحفظ أمن الاحتلال، مما أدى إلى تصفية القضية الجوهرية (الأرض والسيادة) وتحويلها إلى قضايا إدارية وأمنية مجزأة.

2- سلام الحل البنيوي (التحول الديمقراطي الشامل)

في المقابل، عندما تتوفر الإرادة السياسية الصادقة، وتتخلى الدولة عن عقلية "المركزية الإقصائية" وإخضاع الآخر، يمكن للسلام أن يفضي إلى حلول تاريخية مستدامة تعيد صياغة العقد الاجتماعي.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي
  • تجربة إيرلندا الشمالية (اتفاق الجمعة العظيمة 1998): بين الحكومة البريطانية وحزب "شين فين" (الجناح السياسي للجيش الجمهوري الإيرلندي)، حيث تم الانتقال من الصراع المسلح إلى الشراكة السياسية عبر مأسسة حقوق الهوية وتقاسم السلطة.
  • إقليم الباسك في إسبانيا: حيث أدى الاعتراف بالخصوصية التاريخية والثقافية والسياسية للإقليم إلى نزع السلاح طوعًا والاندماج في العملية الديمقراطية.

بالنسبة لحركات النضال المجتمعي الديمقراطي، يظل الحوار والتفاوض هو المسار الاستراتيجي الأنسب والأقل كلفة للانتقال نحو مجتمع حر وتعددي. ومع ذلك، يجب أن يرافق هذا الخيار وعي حاد بأن المراحل الانتقالية تحمل في طياتها سيناريوهين متوازيين: الحل الديمقراطي الجذري أو التصفية الممنهجة.

وتكمن الخطورة الكبرى عندما تُدار العملية من قِبل قوى أو أجنحة نافذة داخل السلطة تبحث عن مصالحها الحزبية الضيقة (كصناعة نصر انتخابي مؤقت أو تجاوز أزمة اقتصادية) بدلًا من مصلحة الدولة ككيان جامع يتطلب التغيير الدستوري.

المؤشرات السلوكية لتقييم استراتيجية التفاوض

لقياس مدى جدية السلطة الحاكمة وتحديد ما إذا كان سلوكها يتجه نحو السلام الحقيقي المستدام أم نحو المناورة واستغلال الوقت، يمكن رصد وتحليل أربعة مؤشرات بنيوية في سلوكها السياسي والميداني:

1- الارتباط بين الميدان العسكري وطاولة المفاوضات

في علم النزاعات، يُعد السلوك الميداني المؤشر الأصدق للنيات السياسية. لا يمكن القبول بمعادلة تفاوضية يستمر فيها التحشيد العسكري، وتشييد المخافر الأمنية الجديدة، وتعزيز النفوذ في مناطق المواجهة الاستراتيجية، بالتوازي مع عقد اللقاءات الدبلوماسية. إن التناقض الصارخ بين الفعل العسكري القمعي على الأرض والخطاب السلمي الناعم على الطاولة يعد مؤشرًا قطعيًا على أن السلطة تستخدم التفاوض كغطاء سياسي لإعادة تموضع قواتها وتحضير جولة حرب قادمة تكون فيها أكثر قدرة على الحسم.

2- الخطاب الإعلامي والتعبئة الشعبية

رغم تفهم الباحثين لبعض الهوامش والبراغماتية السياسية التي تفرض على أركان الدولة توجيه خطاب حذر للداخل القومي المتطرف، فإن تقاعس السلطة الكامل عن تهيئة الرأي العام أو تكييف خطابها الإعلامي الرسمي مع متطلبات السلام يعد إشارة سلبية خطيرة. الطرف الذي يتبنى السلام كخيار استراتيجي يلتزم بالضرورة بعملية "هندسة اجتماعية وإعلامية"؛ لتفكيك خطاب الكراهية، وشيطنة الآخر، والتمهيد النفسي والثقافي للشارع لقبول التنازلات المتبادلة والتسوية التاريخية. أما الاستمرار في ضخ الخطاب الشوفيني فيعني الحفاظ على جاهزية المجتمع للحرب في أي لحظة.

3- استقلالية وفد التفاوض وحرية حركته

تقتضي مرونة العملية السلمية وقدرتها على تجاوز الأزمات الطارئة وجود لجان تفاوضية تمتلك الصلاحيات والاستقلالية، وقادرة على الاجتماع الدوري بلا قيود زمانية أو مكانية أو أمنية تفرضها السلطة. لا يمكن صياغة سلام حقيقي أو متوازن إذا ظل فريق أحد الطرفين (وخاصة الرمزية القيادية المتمثلة في السيد عبدالله أوجلان) خاضعًا لإملاءات ومزاجية الأجهزة الأمنية للدولة، أو معزولًا عن قواعده الشعبية والسياسية ومحرومًا من وسائل الاتصال اللوجستية التي تمكنه من إدارة النقاش الداخلي وصنع القرار.

4- التكافؤ والخطوات المتقابلة (تفكيك الأحادية)

إن بناء الثقة في النزاعات التاريخية يتطلب إجراءات ملموسة، متزامنة، ومتبادلة على الأرض تترجم إلى خطوات قانونية وسياسية، لا مجرد بيانات إنشائية ووعود شفهية. إن مطالبة طرف واحد (الحركة الكردية) بالقيام بالخطوات التنازلية الكبرى من طرف واحد (مثل إعلان وقف إطلاق النار أو سحب المقاتلين)، بينما يمارس الطرف الآخر (الدولة) التعنت ويرفض تقديم أي بادرة حسن نية (كتحسين شروط ووضعية القائد عبدالله أوجلان أو إطلاق سراح المعتقلين السياسيين المرضى أو الاعتراف بالهوية الكردية وبالحقوق الثقافية)، يشير بوضوح إلى رغبة الدولة في استهلاك الوقت وتجريد الخصم من أوراق قوته لتمرير أجندة تصفية خاصة لا صلة لها بالسلام.

معضلة الطرف الثالث (الوساطة والرقابة الدولية)

يشكل وجود وسيط أو طرف ثالث (سواء كان منظمة دولية كالأمم المتحدة، أو دولًا وازنة، أو لجنة من الحكماء والمستقلين محليًا ودوليًا) ميزة استراتيجية تضمن الشفافية، وتراقب الخروقات، وتفسر بنود الاتفاقيات عند الاختلاف الإجرائي. ومع ذلك، فإن فاعلية هذا الطرف مشروطة بعدم تضارب مصالحه الجيوسياسية الخاصة مع سلام المنطقة واستقرارها.

وفي الحالة التركية-الكردية، يُعد الرفض القاطع والمستمر من جانب الدولة التركية لتدخل أي طرف ثالث أو قبول رقابة دولية مؤشرًا دالًا على غياب نية بناء الثقة؛ حيث تسعى السلطة إلى الاستفراد بالطرف الكردي وإبقاء القضية في إطارها "الأمني الداخلي" الضيق، مما يسهل عليها التراجع عن التزاماتها دون دفع أثمان سياسية أو قانونية أمام المجتمع الدولي.

مأسسة السلام (التقنين الدستوري والتشريعي)

تفتقر العمليات السلمية الهشة للأمان والاستقرار ما لم يجرِ تقنينها ومأسستها دستوريًا وتشريعيًا عبر المؤسسات البرلمانية. إن الاعتماد على "التفاهمات الشفهية" أو العلاقات الشخصية واللقاءات السرية بين القادة والمسؤولين الأمنيين يجعل الاتفاقيات عرضة للانهيار السريع مع أي تغيير في الحكومة أو الخارطة الحزبية الحاكمة.

لذا، فإن وجود مرجعية قانونية ملزمة، وصياغة دستور ديمقراطي جديد يعترف بالتعددية الثقافية والهوية الإثنية واللامركزية السياسية، يمثل الضمانة الوجودية الوحيدة لحماية مكتسبات السلام. هذا التأطير القانوني يمنع أي جناح سلطوي أو عسكري من "قلب الطاولة" أو إعادة تجريم الطرف الآخر عند تغير الظروف الإقليمية.

الحاضنة الشعبية والالتفاف المجتمعي (الضمانة العضوية)

إذا كانت الضمانات الدولية والأطر التشريعية تمثل الهيكل الخارجي لحماية مسار السلام، فإن الالتفاف المجتمعي والدفاع الشعبي يمثلان الروح والعصب الحيوي لاستمراريته؛ فلا يمكن لأي تسوية تاريخية أن تصمد إذا ظلت حبيسة الغرف المغلقة بين النخب السياسية والأمنية دون أن تتحول إلى "ثقافة مجتمعية" وعقد اجتماعي تتبناه القواعد الشعبية. وتتحقق هذه الضمانة العضوية عبر مستويين:

  • صناعة قوة ضغط مستدامة: عندما يدرك المجتمع -بمختلف مكوناته الثقافية، والاقتصادية، والمدنية- أن السلام ليس مجرد صفقة سياسية فوقية، بل هو المدخل الوحيد للتخلص من أزمات الهوية، والفقر، والبطالة، والنزيف البشري، فإنه يتحول إلى كتلة حرجة تمارس ضغطًا هائلًا على أطراف النزاع. هذا الضغط الشعبي يشل قدرة السلطة على التراجع أو الاستجابة لأجنحة الحرب داخلها، كما يمنع الطرف المقاوم من الانجرار وراء الاستفزازات الميدانية.
  • تحصين السلام ضد الاختراق الشوفيني: إن ارتباط المجتمع العضوي بمكتسبات السلام والديمقراطية يجعله خط الدفاع الأول في مواجهة خطابات الشيطنة والتعبئة الإعلامية المضادة. فعندما يمتلك الشعب الوعي الكافي بفوائد الحل السلمي، تفقد النخب الفاشية والشوفينية قدرتها على تجيش الشارع لصالح جولات عنف جديدة، مما يجبر أطراف المعادلة -حتى المناورة منها- على البقاء تحت سقف طاولة المفاوضات والبحث الجاد عن مخارج حقيقية للأزمة بدلًا من الهروب نحو خيار الحرب.

السلام كـ "هدنة تكتيكية" وتحدي كشف النوايا

تتعامل العديد من الأنظمة الدولتية ذات الصبغة القومية الأحادية مع المفاوضات كـ "هدنة مؤقتة" أو "استراحة محارب". تهدف هذه الاستراتيجية التكتيكية إلى استنزاف قوى المجتمع الحيوية، وتخديره بآمال وهمية بالسلام، مما يؤدي لاحقًا -عند انهيار المسار- إلى زيادة منسوب الإحباط والياس المجتمعي وتفكيك الحاضنة الشعبية للحركة التحررية. في هذه الأثناء، تستغل الدولة الهدنة لجمع المعلومات الاستخباراتية، واختراق الصفوف، وتأمين تفوقها التكنولوجي والعسكري (مثل تطوير سلاح المسيّرات والذكاء الاصطناعي الأمني)، لفرض الاستسلام الكامل لاحقًا أو العودة إلى مربع العنف بآليات أكثر فتكًا وتدميرًا.

مبدأ اختبار النوايا

"إن الانخراط الفاعل في مسار السلام، رغم الشكوك الشديدة، يجرّد الطرف المناور من غطائه الأخلاقي ويدفعه لإظهار حقيقته الإقصائية أمام الرأي العام."

ومع ذلك، يمكن للطرف المؤمن بالسلام الحقيقي كخيار استراتيجي وقيمي (الحركة الكردية) أن يستثمر البدايات بذكاء سياسي عالي؛ فالقيام ببعض الخطوات الإيجابية المدروسة والمرنة يمثل "اختبارًا علنيًا للنوايا" يدفع الطرف المناور إلى الكشف عن أجندته الحقيقية وتناقضاته البنيوية أمام الرأي العام المحلي والدولي. هذا التكتيك البراغماتي يساهم في إحداث ثغرة في جدار التعنت العام للدولة، ويسحب منها ذريعة "الإرهاب" والرفض الكردي للحوار، وبذلك يتم تحميل السلطة الحاكمة المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية الكاملة عن فشل مسار السلام وإعادة إنتاج العنف.

ونخلص إلى أن محددات ومسارات عمليات السلام في مناطق النزاع الملتهبة في الشرق الأوسط تتأرجح دومًا بين حدّين جوهريين: السلام الحقيقي المستدام القائم على الحلول الديمقراطية الجسورة، والعدالة الانتقالية، والاعتراف المتبادل بالحقوق القومية والثقافية؛ وبين استراتيجيات التصفية المقنّعة، والاحتواء البيروقراطي، والهدن التكتيكية الهادفة لكسر إرادة المقاومة المجتمعية.

في الرهان الراهن والمستقبلي، فإن القوى والأنظمة التي تمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية لبناء سلام مستدام، وحل القضايا الوطنية العادلة (وفي مقدمتها القضية الكردية) عبر دمقرطة بنيتها الدستورية، ستعزز بالضرورة من رصيدها السياسي ومكانتها الاستراتيجية في أي ترتيبات إقليمية أو دولية قادمة، وتتحول إلى نموذج ملهم للمنطقة.

أما الأنظمة الساعية لإعادة إنتاج سلطويتها القمعية والشوفينية عبر إنكار حقوق الآخرين واستخدام السلام كشرك للتصفية، فلن تحصد سوى تعميق أزماتها البنيوية والاقتصادية والاجتماعية؛ إذ إن توازنات القوى الإقليمية، ومعايير الشرعية الدولية، وصعود وعي الشعوب، والتحالفات الجديدة في المنطقة لم تعد تسمح باستدامة النظم القائمة على الإلغاء، الإنكار، وصهر الهويات. إن الديمقراطية لم تعد مجرد خيار سياسي رفاهي، بل غدت ضرورة وجودية لنجاة الدول والمجتمعات من التفتت والانهيار.