استعرض برنامج "صباح البلد" المذاع على قناة "صدى البلد"، وتقدمه الإعلامية نهاد سمير وأحمد دياب، مقالاً للكاتبة الصحفية إلهام أبو الفتح، مدير تحرير جريدة "الأخبار" ورئيس شبكة قنوات ومواقع "صدى البلد"، نُشر في جريدة "الأخبار" تحت عنوان: "جلالة الملك تشارلز الثالث".
دروس في الذوق واللياقة من الملك تشارلز
قالت الكاتبة إلهام أبو الفتح: تابعت باستمتاع وانبهار دروساً في الذوق واللياقة واقتناص الحق بكل بساطة وذكاء شديد من الملك تشارلز الثالث، أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية الأسبوع الماضي للاحتفال بمرور 250 عاماً على توقيع إعلان استقلال الولايات المتحدة عن الحكم البريطاني، وإلقائه خطاباً أمام الكونجرس الأمريكي بدا فيه وكأنه يرد على تصريحات سابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كان الملك دبلوماسياً وذكياً جداً، ومرر رسائل هامة وهادئة بخفة ظل.
نكات عفوية برؤوس نووية
أوضحت الكاتبة أن نكاته بدت عفوية، لكنها في الحقيقة كانت رؤوساً نووية، حين ضحك وهو يتحدث عن "العلاقة الخاصة" بين بريطانيا وأمريكا. لم يكن يردد شعاراً قديماً، فهذا المصطلح الذي أطلقه "تشرشل" يمثل تحالفاً تاريخياً، وأراد الملك بذكاء أن يؤكد أن لندن لا تزال شريكاً قوياً ونداً لواشنطن، وليست تابعة لها.
رسالة بسيطة بإسقاط تاريخي
في خطابه أمام الكونجرس، قال جملة بسيطة: "اليوم نتحدث الإنجليزية… وأحياناً الفرنسية." الجملة بدت عادية، وضحك البعض، لكنها إسقاط تاريخي وتذكير بأن العلاقات بين الدول تتغير، والتحالفات ليست ثابتة. وفيها أيضاً رد ذكي غير مباشر على تعليق سابق لدونالد ترامب حين قال: "لولا أمريكا… لكنتم الآن تتحدثون الألمانية"، في إشارة إلى دور الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية وهزيمة أدولف هتلر. لم يرد بشكل مباشر، لكن رده أكد أن اللغة التي نتحدثها اليوم ليست فضل طرف واحد فقط.
فن التلميح الدبلوماسي
جلالته لا يتدخل في السياسة بشكل مباشر، لكنه يتقن فن التلميح، يعرف كيف يضع الكلمة المناسبة في اللحظة المناسبة، ليترك أثراً في نفوس الحاضرين دون أن يثير أي صدام. وهذه هي الدبلوماسية البريطانية العريقة: إيصال الرسالة بهدوء تام وعقلانية.
شخصية الملك خلف الأضواء
ما لفت نظري هو شخصية الملك نفسه خلف الأضواء. أتذكر حين قابلته في مؤتمر رواندا، كان يتصرف ببساطة مدهشة ويستمع للجميع باهتمام كبير. وقف معنا وتحدث إلينا، كان مثقفاً جداً ودارساً لمصر وتاريخها وآثارها ويحب التفاصيل، أظهر معرفة حقيقية وتقديراً كبيراً لها ولتاريخها. هذا المزيج من الثقافة والتواضع هو ما يجعل لخطاباته طعماً مختلفاً.
هدية ذات دلالة تاريخية
وفي العشاء، قدم الملك لترامب جرساً يعود لغواصة بريطانية من الحرب العالمية الثانية تحمل اسم السفينة وسنة 1944. الغواصة بالصدفة اسمها ترامب، وشاركت في الحرب. قال الملك: "إذا احتجت أي مساعدة، اطرق الجرس مرتين." لم يكن حديثه مزاحاً، بل نكتة أو سخرية جاءت في توقيتها ولها معناها. في عالم السياسة، تحية للملك تشارلز الثالث الذي أبهرنا وأبهر العالم بثقافته وتواضعه وقوته، وأعطى درساً للجميع كيف يكون الخطاب الذكي.



