لا شك أن التطورات التي يشهدها الخليج العربي خلال الأسابيع الأخيرة، ومنذ اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي، تشكل محورًا مهمًا لمختلف الدراسات السياسية والاستراتيجية في العالم أجمع، ليس فقط لأهمية هذه المنطقة الحيوية من العالم، وخصوصًا مضيق هرمز الذي تمر منه يوميًا نحو 20-25% من تجارة النفط والغاز المسال، ولكن لأهمية المنطقة ككل باعتبارها بؤرة ساخنة وحيوية وعلى رأس الأمن القومي الأمريكي.
فالخليج هو كنز العالم الذي تحرص واشنطن دومًا على أن يبقى تحت سيطرتها، كما أنه الحديقة الخلفية لكل من الصين وروسيا، ويهمهما دائمًا أن تتواجدا في هذه المنطقة بالقرب منهما.
التطورات العسكرية وتداعياتها
والحاصل أن التطورات العسكرية الرهيبة خلال الحرب، وفي مقدمتها تعرض مختلف المدن والموانئ وحقول النفط والمؤسسات الحيوية في الخليج، وفي كل دولة منها الإمارات والسعودية والبحرين وقطر والكويت وعُمان، لاعتداءات صاروخية، وتعرضها لآلاف من المُسيّرات ومئات من الصواريخ، فجّر السؤال الكامن في الصدور حول ملف الأمن الخليجي: مع من سيكون الخليج خلال الـ10 سنوات القادمة على الأقل، أو خلال 25 عامًا في ظل منطقة ملتهبة؟ وكيف ستدافع دول الخليج الست عن أمنها؟ وما هي المحاور الاستراتيجية والتحالفات التي ستحرص على بنائها حتى لا تكون دولها وحقول النفط والعواصم الخليجية عرضة لمرمى صواريخ ومُسيّرات إيران، أو لتبادل الضربات بين أمريكا وإسرائيل من جهة وطهران من جهة ثانية، وملعبًا مستباحًا للطرفين؟
السيناريوهات الثلاثة للأمن الخليجي
الحقيقة أن القضية تتمحور في ثلاثة سيناريوهات لا رابع لها:
السيناريو الأول: مساندة القضاء على القوة الصاروخية الإيرانية
أولها، مساندة الدول الخليجية بالخصوص لكل المحاولات الرامية للقضاء على القوة الصاروخية لإيران، طالما أن إيران أصبحت، من وجهة نظر دول الخليج، أكبر مهدد لأمنها، وأنه حال تعرضها لأي هجوم فإن رد فعلها الأول هو مهاجمة عواصم الخليج وليّ ذراع أمريكا أو إسرائيل أو غيرهما. ورغم أن هذا يصب مباشرة في صالح إسرائيل وأمريكا، فإنه قد يكون لدى بعض الداعمين لهذا الرأي قول واضح: إن واشنطن وتل أبيب لن تهاجما الخليج، لا اليوم ولا غدًا، لأنه بالنسبة لهما مجال أمن حيوي ومصدر رئيسي للطاقة في العالم، وواشنطن هي الأحرص على أن تكون المنطقة هي الأكثر أمنًا.
السيناريو الثاني: بناء قدرات عسكرية استثنائية
السيناريو الثاني هو أن تفكر دول الخليج في بناء قدرات عسكرية استثنائية، تستطيع أن تواجه بها طهران منفردة أو مجتمعة حال تكرار الاعتداءات عليها بهذا الشكل. وفي هذا الأمر هناك سيناريوهات عديدة، وقد يكون من بينها السعي لامتلاك سلاح نووي على غرار ما تريد أن تمتلكه طهران، وليكون وجوده في إطار ردع متبادل وكارت أحمر في وجه النظام الديني الحاكم في طهران اليوم، ولنحو 5 سنوات قادمة على الأقل، بعدما تبين أنه لا بديل لهذا النظام الآن في طهران، رغم حدة وعمق المعارضة الإيرانية الموجودة على الأرض.
السيناريو الثالث: تحالفات مفاجئة مع القوى المؤثرة على إيران
السيناريو الثالث يتمثل في أن تقوم دول الخليج بعمل تحالفات مفاجئة، وانقلاب في الأمن القومي الخليجي، أو تغيير وجهتها نحو القوى الأكثر تأثيرًا على إيران، وبالتحديد روسيا والصين وحتى كوريا الشمالية، وأن تكون التحالفات الخليجية العسكرية القادمة خروجًا خليجيًا من المظلة الأمريكية نحو دول آسيا التي تستطيع التأثير على إيران وقرارها، وتستطيع، إن احتدمت الأمور، أن تمنعها من مواصلة العدوان أو ضرب العواصم الخليجية بالصواريخ والمُسيّرات، وهو سيناريو مطروح بشدة داخل بعض الدوائر الخليجية. علاوة على ذلك، فإن إحساس دول الخليج أنها وحدها وقفت في وجه صواريخ إيران التي هددت وجودها وعواصمها، سيدفعها لتحركات كثيرة بعيدًا عن دائرة الدول العربية.
تأثير الحرب على العلاقات الخليجية الإيرانية
ولا يخفى على أحد أن قلب طهران الطاولة وضرب العواصم الخليجية وغلق مضيق هرمز، كان في مقدمة الأوراق الضاغطة على ترامب، حتى يوقف الحرب دون تحقيق أي انتصار حقيقي. فرغم الضربات الواسعة، لم يسقط نظام إيران ولم ينته برنامجها النووي، لكن المعركة أدت إلى تآكل جدران الثقة تمامًا في العلاقات بين طهران وكافة عواصم الخليج. فالجار الإيراني، من وجهة نظرهم الآن، غير مأمون الجانب، ولا يمكن الثقة في تصرفاته لا اليوم ولا مستقبلًا. فالخسارة الحقيقية خلال هذه الحرب هي خسارة إيران كل جيرانها الخليجيين، ما عدا سلطنة عُمان لعلاقات قديمة سابقة، وإن كانت موانئ عُمان لم تسلم أيضًا من الهجمات الإيرانية ومن انتقام الحرس الثوري الإيراني.
تقييم مقترح إيران الأخير
وبخصوص مقترح إيران المقدم خلال الساعات الأخيرة لترامب، ويقضي بفتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب ثم النظر في البرنامج النووي الإيراني لاحقًا، فهو كما وصفه وزير الخارجية الأمريكي روبيو محاولة لكسب الوقت، ويبتعد عن الهدف الأساسي وهو القضاء على البرنامج النووي الإيراني. كما أنه، في رأيي، يُبعد النظر عن البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو الأخطر انطلاقًا من منظور الأمن القومي الخليجي.
ويبقى القول إنه لا أحد ينكر حق إيران في الرد على الولايات المتحدة والعدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، لكن كما قلت مسبقًا يجب ألا تكون دول الخليج رهينة بين الطرفين، خصوصًا وأنه خلال الحرب الأخيرة، ورغم انتشار الكثير من القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، فإنها لم تكن مصدر الضربات ضد طهران، وإنما كانت حاملات الطائرات وقواعد أمريكا في آسيا وأوروبا وغيرها.
الخليج الجديد بكل تحالفاته ورؤيته لأمنه واستقراره وتصديه لخيالات واعتداءات إيران اليوم أو غدًا، هو محور كل الدراسات، ولا جدال في ذلك.



