في مثل هذا اليوم من عام 1945، أسدل الستار على واحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخ أوروبا الحديث، حيث نُفذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص في الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني. لم تكن مجرد عملية إعدام لسياسي مهزوم، بل كانت سقوطاً مدوياً للأيديولوجية الفاشية التي حكمت إيطاليا بيد من حديد لأكثر من عقدين، وانتهت بمشهد مأساوي في دونغو ليعلق جثمانه منكس الرأس في ساحة عامة بميلانو، أمام شعب هتف له يوماً كمخلص قبل أن يراه سبباً في دمار بلاده.
من هو موسوليني؟
بينيتو موسوليني، ولد عام 1883 في قرية صغيرة بشمال إيطاليا، ونشأ في بيئة متناقضة؛ فأبوه كان حداداً اشتراكياً ملحداً، وأمه كانت معلمة كاثوليكية، وهذا المزيج صاغ شخصية مضطربة وطموحة. بدأ حياته كصحفي اشتراكي حاد الطباع، قبل أن ينشق عنهم إبان الحرب العالمية الأولى، متبنياً نزعة قومية متطرفة أدت به إلى تأسيس الحزب الفاشي، مستنداً إلى قناعة راسخة بأن الدولة هي كل شيء، ولا شيء خارج الدولة، ولا شيء ضد الدولة.
قصة صعود موسوليني
في أعقاب الحرب العالمية الأولى، استغل موسوليني حالة الغضب الشعبي والانهيار الاقتصادي في إيطاليا ليؤسس القمصان السوداء، وهي ميليشيات مسلحة مارست العنف المنظم ضد الاشتراكيين والنقابات، مما قدمه للطبقة الوسطى والأرستقراطية باعتباره المنقذ الوحيد من الفوضى والمد الشيوعي، ليرسخ صورته كزعيم قوي (الدوتشي) قادر على إعادة هيبة الدولة بالقبضة الحديدية.
وجاءت اللحظة الحاسمة في أكتوبر 1922، فيما عرف تاريخياً بـالمسيرة إلى روما؛ حيث حشد موسوليني الآلاف من أتباعه المسلحين للزحف نحو العاصمة بهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة. وأمام هذا التهديد، وبدلاً من إعلان حالة الطوارئ، رضخ الملك إيمانويل الثالث للضغط خوفاً من اندلاع حرب أهلية، فرفض توقيع مرسوم الجيش لصد الزحف، واستدعى موسوليني هاتفياً ليطلب منه تشكيل الحكومة، ليدخل الدوتشي روما ليس فاتحاً عسكرياً فحسب، بل رئيساً للوزراء بمرسوم ملكي شرعي.
بمجرد تمكنه من مقعد القيادة، لم يكتفِ موسوليني بالمنصب الإداري، بل بدأ في تفكيك النظام الديمقراطي من الداخل؛ حيث استغل حادثة اغتيال الزعيم الاشتراكي ماتيوتي ليعلن في عام 1925 مسؤوليته الكاملة عن العنف السياسي، ومن ثم أصدر سلسلة من القوانين الاستثنائية التي حظرت الأحزاب المعارضة وقيدت الصحافة، محولاً إيطاليا إلى دولة شمولية يكون فيها هو الرقيب الأول، ليجمع في يده كافة السلطات التنفيذية والتشريعية، ويتحول من رئيس حكومة ائتلافية إلى ديكتاتور أوحد لا يراجع قراره.
كواليس انهيار فاشية موسوليني
مع تورط إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، كشفت الهزائم المتلاحقة في شمال أفريقيا واليونان هشاشة الجيش الفاشي. ويذكر المؤرخ رينزو دي فيليس أن السقوط الفعلي بدأ بانقلاب داخلي من رفاقه في المجلس الفاشي الأعلى عام 1943، وجرى القبض عليه من رجال المقاومة (البارتيزان) بالقرب من قرية دونغو، وهو يحاول الفرار بزي جندي ألماني.
وصدرت أوامر عليا من قيادة جبهة التحرير الوطني في ميلانو بضرورة تصفيته فوراً، خشية تدخل الحلفاء لإنقاذه أو تحويله لأسير حرب يتمتع بحماية دولية، وهو ما نفذه القائد والتر أوديسيو الذي اقتاد موسوليني وعشيقته كلارا بيتاتشي إلى منطقة معزولة أمام فيلا بلمونت، وهناك قرأ عليه حكماً مقتضباً بالإعدام باسم الشعب الإيطالي، قبل أن يمطره بوابل من الرصاص.
أما الكواليس الأكثر مأساوية وتوثيقاً في التاريخ الحديث، فهي ما تلا عملية الإعدام؛ حيث نقلت الجثث في شاحنة إلى ساحة لوريتو بميلانو، وهي الساحة ذاتها التي أعدم فيها الفاشيون رهائن من المقاومة سابقاً، وهناك انقضت الجماهير الغاضبة على الجثامين بالركل والتمثيل، قبل أن يتم تعليق موسوليني وعشيقته وعدد من معاونيه من أرجلهم بخطافات حديدية في سقف محطة بنزين. وكان مشهد الدوتشي وهو معلق منكس الرأس، بمثابة إعلان عن السقوط النهائي للفاشية.



