في مثل هذا اليوم من عام 1940، عاشت القارة الأوروبية واحداً من أحلك فصول تاريخها الحديث، حيث تلاحقت الضربات العسكرية العنيفة لتعيد رسم الخريطة السياسية والعسكرية للعالم في غضون ساعات. إذ شهد هذا اليوم إعلان بلجيكا استسلامها الرسمي والكامل لجيوش ألمانيا النازية، الأمر الذي أحدث فجوة استراتيجية قاتلة في جبهة الدفاع الغربية، وتزامن مع بدء انسحاب القوات البريطانية المرتبكة من شمال فرنسا عبر شواطئ دنكيرك. ليتوج هذا الانهيار الدراماتيكي بسقوط العاصمة الفرنسية باريس ووقوعها تحت قبضة الاحتلال النازي. لكن مع الانتصارات العسكرية الكاسحة، لماذا فشل هتلر في حسم مصير القارة العجوز لصالحه إلى الأبد؟
حصار الـ18 يوماً: أسباب استسلام بلجيكا للنازية
جذور السقوط البلجيكي السريع تلخصت في مواجهة عسكرية غير متكافئة استمرت لثمانية عشر يوماً فقط من القتال الضاري. فمع بدء الغزو الألماني، وجدت القوات البلجيكية نفسها أمام آلة عسكرية كاسحة تعتمد على عنصر المفاجأة والسرعة. ما دفع الملك البلجيكي ليوبولد الثالث إلى اتخاذ قرار الاستسلام الصادم، بعد التفكك السريع للدفاعات المشتركة مع الحلفاء، ومحاصرة جيشه بالكامل بين لقمة الكماشة الألمانية وشواطئ البحر، فضلاً عن الرغبة في تجنيب العاصمة بروكسل وبقية المدن دماراً شاملاً ومجازر بشرية محققة بعد أن دمرت الطائرات النازية البنية التحتية لبلاده. وهو القرار الذي اعتبره الحلفاء آنذاك طعنة في الظهر وخيانة للمجهود الحربي المشترك.
وترتب على خروج بلجيكا من المعادلة، انكشاف تام لظهر القوات البريطانية والفرنسية في الشمال، مما أجبر المملكة المتحدة على اتخاذ قرار عاجل بالانسحاب الفوري من شمال فرنسا عبر عملية إجلاء أسطورية وقاسية، تاركة وراءها أطناناً من العتاد الثقيل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجنود البواسل. وترصد كتب التاريخ كواليس ما قبل وقوع باريس في قبضة النازية، وكانت مريرة ومثيرة للشفقة؛ حيث تهاوت خطوط الدفاع الفرنسية الواحدة تلو الأخرى أمام القصف النازي المدمر، وعمت الفوضى أروقة السياسة الفرنسية، وفرت الحكومة إلى بوردو، وأعلنت باريس مدينة مفتوحة لتجنيبها القصف، لتدخل القوات النازية شوارع العاصمة المهجورة وسط ذهول العالم، وهو ما ترتب عليه توقيع هدنة مهينة قُسمت بموجبها فرنسا، وولدت حكومة فيشي الموالية لبرلين.
أسرار التفوق الكاسح للنازية على قوات الحلفاء
تجلت أسباب تحقيق النازية لكل هذه الانتصارات المدوية في تبنيها عقيدة عسكرية ثورية عرفت باسم الحرب الخاطفة، والتي اعتمدت على التنسيق المطلق والسريع بين سلاح الطيران الكاسح والمدرعات الثقيلة التي تخترق الخطوط وتحدث الفوضى خلف جبهات العدو قبل أن يستوعب الصدمة. ومع ذلك فإن هذا المجد العسكري السريع حمل في طياته بذور الفناء والانهيار؛ إذ اندفعت القيادة النازية بغرور مفرط لفتح جبهات قتال متعددة واستنزاف طاقاتها في عمق الأراضي الروسية الشاسعة، ومواجهة القدرات الاقتصادية والبشرية الهائلة للتحالف الدولي الإنجليزي والأمريكي والسوفيتي، لتنتهي هذه المغامرة غير المحسوبة بهزيمة ساحقة، وقادت إلى تصفية أعلام القادة النازيين عبر الانتحار أو الملاحقة، وتوجت بمحاكمات نورمبرج التاريخية التي علقت أعواد المشانق لرجال هتلر، لتبقى ذكرى مايو 1940 شاهداً على أن الغطرسة العسكرية، مهما بلغت قوتها الخاطفة، فإن نهايتها المحتومة هي السقوط والزوال تحت أقدام الحقيقة والتاريخ.



