قصة افتتاح أول مطار حربي ومدني في مصر.. ذكرى سيادة الأجواء
افتتاح مطار ألماظة.. ذكرى السيادة الجوية المصرية

في مثل هذا اليوم من عام 1932، سجلت الذاكرة الوطنية والتاريخية واحدة من أزهى صفحاتها السياسية والعسكرية، حين افتتح الملك فؤاد الأول مطار ألماظة وسط احتفال شعبي وجماهيري حاشد ضم آلاف المواطنين وكبار رجال الدولة. لم يكن هذا الحدث مجرد قص شريط لمهبط طائرات جديد أو تدشين منشأة خرسانية عابرة، بل كان بمثابة إعلان رسمي لامتلاك مصر سماءها وقرارها الجوي.

وتُوج الاحتفال باستقبال وهبوط أول ثلاث طائرات مصرية يقودها ثلاثة من الرعيل الأول للطيارين المصريين، قادمين بها في رحلة تاريخية من بريطانيا، ليمثل هذا اليوم البداية الفعلية لتأسيس سلاح الجو المصري وكسر الاحتكار الأجنبي للأجواء الوطنية.

خلفية التأسيس.. صراع الإرادة ضد القيود البريطانية وميلاد ألماظة

تأسست خلفيات إنشاء مطار ألماظة من رحم رغبة سياسية وشعبية جارفة للتخلص من الهيمنة العسكرية البريطانية التي كانت تسيطر على كافة المطارات والقواعد الجوية في مصر، وتمنع المصريين من امتلاك طائرات خاصة بهم تحت ذريعة عدم الجاهزية. وتكشف الكواليس التاريخية أن الحكومة المصرية خاضت معارك دبلوماسية شرسة لانتزاع الموافقة على إنشاء مطار مصري خالص.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

واختيرت منطقة ألماظة بمصر الجديدة بعناية فائقة لتكون المقر الرئيس لأول قاعدة جوية وسياحية وطنية، وبدأت أعمال التشييد بتمويل وإشراف مصري كامل، ليكون المطار بمثابة الرد العملي والصدمة التكتيكية لسلطات الاحتلال، معلنًا جاهزية القاهرة لدخول عصر الطيران من أوسع أبوابه.

تاريخ الطيران في مصر: من مغامرات الهواة إلى قيادة أسراب السلاح الوطني

أما عن تاريخ الطائرات في مصر، فقد مر بمراحل دراماتيكية حابسة للأنفاس بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، بمحاولات فردية لبعض الهواة الأجانب والمصريين، وتنظيم أول أسبوع للطيران في هليوبوليس عام 1910، لكن التحول الحقيقي صاغته سواعد أبناء الوطن من خلال تأسيس شركة مصر للطيران ومدرسة الطيران الوطنية على يد الاقتصادي الفذ طلعت حرب.

وشهدت ساحة المعركة الدبلوماسية إصرارًا على إرسال بعثات من الشباب المصري لتعلم فنون الطيران في الخارج، والذين عادوا ليقودوا الطائرات الثلاث الأولى التي اشترتها مصر من طراز ديفيلياند موث، ليعلنوا للعالم أن الطيار المصري قادر على ترويض الآلات الحديثة وشق الأجواء الاستراتيجية بكفاءة لا تقل عن نظرائه في العواصم الكبرى.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

ماذا بعد الافتتاح.. تحول ألماظة إلى غرفة العمليات الاستراتيجية للدولة

ترتب على افتتاح مطار ألماظة في يونيو 1932 نتائج ميدانية وسياسية عجلت بتغيير خارطة الدفاع والأمن القومي المصري؛ فبمجرد هبوط الطائرات الثلاث، تحول المطار إلى النواة الأساسية التي ولدت منها القوات الجوية المصرية، وشهد تخريج دفعات متتالية من الطيارين والمؤسسين الذين قادوا المعارك العسكرية اللاحقة. ومع مرور العقود، لم يكتفِ المطار بدوره العسكري؛ بل أصبح البوابة الدبلوماسية الأولى لمصر يستقبل الملوك والرؤساء، وغرفة عمليات استراتيجية لإدارة الدفاع عن العاصمة خلال الحروب والمواجهات الكبرى، ليظل مطار ألماظة شاهدًا حيًا على مرحلة فارقة نقلت مصر من التبعية إلى السيادة الجوية الكاملة.