في مثل هذا اليوم من عام 1976، سجلت الدبلوماسية المصرية محطة تاريخية واستثنائية في مسار القضية الفلسطينية، حين تقدمت مصر بطلب رسمي وصارم إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، تطالب فيه بقبول منظمة التحرير الفلسطينية عضوًا كاملًا بالجامعة ومساويًا لكافة الدول الأعضاء.
التحرك المصري كضربة استراتيجية
كان التحرك المصري بمثابة ضربة استراتيجية موفقة قادها الرئيس أنور السادات لإعادة صياغة المشهد الإقليمي؛ حيث نجحت القاهرة في تحويل المنظمة من مجرد حركة تحرر وطني تمثل شعبًا بلا دولة، إلى كيان سياسي وقانوني يمتلك حق التصويت والفيتو داخل بيت العرب، مما وجه رسالة شديدة اللهجة للمجتمع الدولي بمركزية القضية الفلسطينية واستحالة تجاوزها في أي تسوية سياسية.
ما قبل عضوية فلسطين: مقعد رمزي وشعب يبحث عن الهوية السياسية
تأسست خلفيات هذا التحرك على واقع معقد عاشته علاقة فلسطين بالجامعة العربية منذ تأسيسها في أربعينيات القرن الماضي؛ إذ كانت فلسطين حاضرة في المؤتمرات التأسيسية لجامعة الدول العربية عام 1945 عبر مندوب معين يمثلها كحالة خاصة لعدم نيل الاستقلال.
وعلى مدار ثلاثة عقود سبقت عام 1976، كان التمثيل الفلسطيني داخل أروقة الجامعة يتسم بالرمزية الشديدة ولا يتجاوز حدود إلقاء البيانات وشرح المعاناة دون امتلاك القدرة على التأثير في صياغة القرارات المشتركة أو التصويت عليها؛ ومع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 كممثل شرعي، ظلت الجامعة تتعامل معها كعضو مراقب له وضعية خاصة، وهو ما اعتبرته القاهرة لاحقًا وضعًا مؤقتًا لا يتناسب مع حجم التضحيات وحتمية تدويل القضية بعد حرب أكتوبر 1973.
كواليس الانضمام: عبقرية السادات في مواجهة التحفظات وهندسة الإجماع
أما عن كواليس ليلة الانضمام والطلب المصري الحابس للأنفاس، فقد جاءت في توقيت بالغ الحساسية كانت تعيش فيه المنطقة تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية ومحاولات احتواء المقاومة الفلسطينية؛ وتكشف الدقائق التوثيقية أن الخارجية المصرية تحركت بسرعة خاطفة بتوجيهات مباشرة من السادات لتقديم المذكرة الرسمية، مستغلة الزخم السياسي الذي تحقق عقب قمة الرباط عام 1974 التي اعترفت بالمنظمة ممثلًا شرعيًا وحيدًا.
وواجهت المبادرة المصرية في البداية نقاشات ومخاوف من بعض العواصم العربية بشأن التبعات القانونية لمنح العضوية الكاملة لحركة تحرر لا تسيطر على أرض، لكن الإصرار المصري والتنسيق المكثف مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات نجح في تفكيك هذه التحفظات وهندسة إجماع عربي تاريخي تُرجم سريعًا إلى قرار رسمي أعلن انضمام فلسطين كعضو كامل الحقوق والواجبات.
ماذا بعد الانضمام: الحصانة الدبلوماسية والسلاح القانوني في المحافل الدولية
ترتب على هذا الانضمام نتائج دراماتيكية قلبت الطاولة على المخططات الإسرائيلية الهادفة لتهميش الصوت الفلسطيني؛ فبمجرد جلوس منظمة التحرير على مقعد العضوية الكاملة، اكتسبت القضية حصانة دبلوماسية عربية غير مسبوقة، وتحول ياسر عرفات من قائد فصيل مسلح إلى رئيس وفد دولة يتمتع بالسيادة في المؤتمرات العربية والدولية، مما منح المنظمة السلاح اللازم لانتزاع مكاسب أكبر في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمحافل الدولية، وصار بمثابة الجسر الشرعي الذي عبرت عليه القضية من العمل الفدائي الخالص إلى العمل السياسي المنظم، لتظل ذكرى هذا الطلب المصري شاهدًا حيًا على عمق الروابط المصيرية بين القاهرة ورام الله، والخطوة التأسيسية التي مهدت لإعلان قيام دولة فلسطين في العقود التالية.



