ارتبط اسم مصر برعاية الحرمين الشريفين، لا سيما في عهد المماليك، وكان المحمل المصري أبرز تجليات هذه الرعاية. المحمل هو ذلك الموكب الرسمي والشعبي الذي يحمل كسوة الكعبة المشرفة كل عام، ويشكل رمزاً للمكانة السياسية والروحية لمصر في العالم الإسلامي. استمر هذا التقليد قروناً حتى أصبح جزءاً من الوجدان الشعبي والرسمي.
تحولات مطلع القرن العشرين
شهد مطلع القرن العشرين تحولات جذرية في خريطة المنطقة، إذ آلت السيطرة على الحجاز إلى الملك عبدالعزيز آل سعود، وأصبحت مكة والمدينة تحت حكم جديد برؤية مغايرة للشعائر والمظاهر الاحتفالية السائدة.
رحلة المحمل عام 1926م
في عام 1926م، تحرك ركب المحمل الشريف من مصر إلى الحجاز حاملاً كسوة الكعبة. ضمت البعثة 24 ضابطاً و422 جندياً وخمسة مدافع، بقيادة اللواء محمود عزمي باشا، وزير الحربية والبحرية الأسبق، مما يدل على الأهمية البالغة التي أولتها الحكومة المصرية لهذه الرحلة.
الاحتفال في جدة
عند وصول البعثة إلى جدة، أقيم احتفال رسمي في القنصلية المصرية حضره ممثلو الدول العربية والإسلامية، وتضمن استعراضاً عسكرياً، مما يعكس الطابع الدبلوماسي الذي أرادته مصر.
مؤشرات التوتر الأولى
ما إن بدأت البعثة تشق طريقها إلى مكة، حتى ظهرت مؤشرات التوتر. اعترضت السلطات المحلية على استخدام المركبات الآلية لنقل الجنود والمعدات، بحجة أنها تخيف الإبل التي يمتطيها الحجاج. قبل اللواء عزمي الاعتراض في البداية، ثم تراجع عندما لاحظ أن مركبات المسؤولين تسير دون قيود.
اشتباكات مشعر منى
عند اقتراب الموكب من مشعر منى، اعترضت مجموعة من حجاج نجد المنتمين لجماعة «إخوان من طاع الله» طريق المحمل. تحول الموقف من مواجهة لفظية إلى اشتباك مسلح، أصيب فيه ضابط وعدد من الجنود، وأحرقت أجزاء من كسوة الكعبة. تدخل الأمير فيصل بن عبدالعزيز لتهدئة الأوضاع، لكن الاشتباكات عادت وخلّفت ضحايا من الحجاج الأبرياء.
رد فعل مصر
عند وصول أخبار الأحداث إلى القاهرة، أصدرت الحكومة المصرية احتجاجاً رسمياً شديد اللهجة. قدم الملك عبدالعزيز اعتذاراً رسمياً، لكن مصر رفضته، وقرر اللواء عزمي العودة دون استكمال الرحلة إلى المدينة المنورة. أصدر الملك فؤاد الأول أمره بوقف إرسال المحمل، ورفض كل وساطات المصالحة، بما فيها زيارة الأمير سعود بن عبدالعزيز.
قطيعة عشر سنوات
امتدت القطيعة عشر سنوات حتى وفاة الملك فؤاد عام 1936م. جرت المصالحة في عزائه، وقرر الملك فاروق انتهاج سياسة مغايرة، فعاد موكب المحمل وسط احتفاء شعبي واسع. خلّد الفنان بديع خيري هذا الشعور في أغنية شهيرة أدتها أسمهان: «ده محملك رجعت أيامه هنية، واتهنت بيه العين».
دروس من التاريخ
تبقى أحداث 1926م محطة فارقة في تاريخ علاقات مصر بجيرانها، تكشف كيف تتشابك الأبعاد الدينية والسياسية والثقافية، وكيف يمكن لموكب روحي أن يتحول إلى محور أزمة. تظل حادثة المحمل شاهداً على أن فهم السياق والإدراك المسبق لتحولات المشهد الإقليمي شرطان لا غنى عنهما في إدارة العلاقات بين الدول.



