سيظل يوم الخامس والعشرين من إبريل من كل عام محفورا في قلوب المصريين وعقولهم، حيث استردت مصر فيه كامل أرضها في شبه جزيرة سيناء بعد أن احتلها العدو الإسرائيلي في غفلة من الزمن في حرب الخامس من يونيو عام 1967.
مرارة الهزيمة وتنحي عبد الناصر
كانت مرارة الهزيمة في ذلك الوقت في قلوب جميع المصريين، وجعلت الرئيس جمال عبد الناصر يتحمل المسئولية ويتنحي عن رئاسة الجمهورية ليعود إلي صفوف الجماهير، لتخرج ملايين المصريين في أنحاء البلاد تطالبه بالعودة وتحمل المسئولية، وأنها تقف معه ومع جيش مصر العظيم حتي ينتصر علي العدو الإسرائيلي ويسترد أرضه وكرامته.
فترة صعبة وإصرار على الثأر
كانت فترة صعبة وقاسية على مصر التي رفضت الهزيمة، وصممت على ضرورة الثأر للشهداء الذين ضحوا بأرواحهم وتحرير أرض سيناء الحبيبة مهما كانت التضحيات، وبعد أربعة أشهر من هذه الكارثة، تمكنت قوات البحرية المصرية من تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات أمام ساحل مدينة بورسعيد بإطلاق صواريخ سطح من لنش مصري، لتؤكد أن مصر لن تستسلم للهزيمة ولكنها مصممة على الثأر واسترداد الأرض والكرامة.
الغارات الإسرائيلية الإجرامية
وكشفت إسرائيل عن طبيعتها العدوانية الإجرامية، فبدأت غاراتها علي المدن المصرية، وقامت أربع طائرات فانتوم إسرائيلية بقصف مدرسة بحر البقر الإبتدائية بمحافظة الشرقية، وتمت تسويتًها بالأرض، وقتلت الأطفال داخل الفصول الدراسية. كما قصفت مصنع أبو زعبل أثناء خروج العاملين، وكانت إسرائيل تهدف من هذه الأعمال الإجرامية أن تضغط على مصر لوقف حرب الاستنزاف التي تقوم بها القوات المصرية، وقبول مبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز لوقف إطلاق النار.
قبول مبادرة روجرز وبناء حائط الصواريخ
وأمام هذه الغارات الإسرائيلية الإجرامية على العمق المصري اضطر الرئيس عبدالناصر إلى قبول هذه المبادرة لحماية الداخل المصري، وفي نفس الوقت إتاحة الفرصة لبناء حائط الصواريخ استعدادا للحرب القادمة للثأر من إسرائيل.
رحيل عبد الناصر وتولي السادات
وفي 28 سبتمبر 1970 انتقل الرئيس جمال عبدالناصر إلى رحاب الله عن عمر 52 عاما، وحزنت مصر كلها لرحيله، وتولى نائبه أنور السادات رئاسة مصر وأعلن أنه لابد من الحرب للثأر وتحرير الأرض مهما كان الثمن، وأن مصر ستحارب في عام 1972 لاسترداد سيناء، ثم عاد وقال إننا لن نتمكن من الحرب هذا العام لأن روسيا رفضت تزويدنا بالسلاح، وطرد الخبراء الروس الذين استعنا بهم بعد الهزيمة.
مظاهرات تطالب بالحرب
وخرجت المظاهرات في أنحاء مصر ضد الرئيس السادات تطالب بالحرب، وكنت في ذلك الوقت في السنة النهائية في قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وتوقفت الدراسة بالجامعة واحتشد طلاب الجامعة من مختلف الكليات داخل قاعة الاحتفالات الكبري، وتوقفت الدراسة.
التجنيد على جبهة القتال
ثم تم استئنافها بعد عطلة العيد، وتخرجنا في صيف هذا العام وكانت التعليمات بإرسال جميع الخريجين لتجنيدهم على جبهة القتال، وبعد انتهاء فترة التدريب بمركز المشاة بمنطقة المعادي، تم توزيعنا علي التشكيلات، وكان من نصيبي أن أكون في اللواء الخامس في الجيش الثالث الميداني، بالفرقة 19. وسافرنا بالقطار الحربي من محطة كوبري الليمون في منتصف الليل في شهر نوفمبر عام 1972، وكانت مجموعتي تضم 30 زميلا من كليات مختلفة، وقضينا ما تبقي من الليل في مخبأ تحت الأرض، وفي طابور الصباح فوجئنا أننا في الضفة الغربية من قناة السويس، وأمامنا الضفة الشرقية للقناة ويرفرف عليها العلم الإسرائيلي، وكانت الصدمة الكبري، وبكينا جميعا لهذا المشهد لأنه ليس من سمع كمن رأى.
تحقيق النصر الكبير
استرجعت هذه الأحداث اليوم وأنا استعد لكتابة هذا المقال، والتجربة التي عشناها حتي تحقق النصر الكبير واستعاد جيش مصر العظيم الكرامة لمصر والعرب جميعا، وتظل إسرائيل تتذكر هزيمتها وقتلاها وأسراها في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، ولا يمكن أن تنساها مهما طال الزمن. ومن يزور سيناء الآن ونويبع ودهب وشرم الشيخ وطابا وغيرها من المدن، ويشاهد الحركة العمرانية الضخمة فيها والأنفاق الخمسة تحت قناة السويس التي تسهل الحركة والانتقالات بين غرب القناة وشرقها، يدرك أن الرئيس عبدالفتاح السيسي يقوم بعمل رائع لنهضة مصر وتنميتها واستغلال ثرواتها وكنوزها، التي ظلت مهملة لسنوات طويلة، وتستمر روح أكتوبر العظيم وانتصاراته ماثلة أمامنا إلى الأبد نواجه بها كافة التحديات والمصاعب مهما كانت.



