يطرح الدكتور حسن يوسف علي في مقاله الثاني رؤية متعمقة حول ضرورة مشروع الإفصاح الوطني، مؤكدًا أن التحول إلى الدعم النقدي يتطلب شرطًا أوليًا لا غنى عنه: قاعدة بيانات دقيقة تحدد مستحقي الدعم من غيرهم. ويشير إلى أن هذه القاعدة يجب أن تشمل معلومات عن مستوى الدخل، مكان الإقامة، الحالة الوظيفية، عدد أفراد الأسرة، مستوى التعليم، وجود أقارب بالخارج، وغيرها من البيانات الأساسية.
لماذا لا يكفي تطوير قوائم التموين الحالية؟
يجيب الكاتب بأن التعديل والتحديث التدريجي للقوائم الحالية غير كافٍ، لأن قاعدة البيانات الوطنية الشاملة لمستويات المعيشة ليست مطلوبة لإصلاح الدعم وحده، بل هي أداة استراتيجية تحتاجها الدولة لعشرات المهام الأخرى. ويستشهد بالفجوة بين أعداد حاملي بطاقات التموين (60.8 مليون) ومستفيدي دعم الخبز (64 مليون) ونسبة الفقر التي تبلغ نحو ثلث السكان (أكثر من 33 مليونًا)، مما يعني أن أكثر من 20 مليون مواطن قد لا يستحقون الدعم، بينما هناك فقراء آخرون خارج المنظومة.
ستة أسباب تجمع عليها الخبراء
يتجاوز المقال ملف الدعم ليطرح ستة محاور تتفق عليها آراء الاقتصاديين حول أهمية قاعدة البيانات الدقيقة:
- التخطيط الاقتصادي الدقيق: خطط التنمية تحتاج إلى بيانات موثوقة عن توزيع الدخل والثروة، خاصة في ظل الفجوة المعلوماتية بين مسوح الدخل والإنفاق التي تجرى كل خمس سنوات.
- إدارة الأزمات والكوارث: تجربة مصر في استخدام قوائم التموين لتوزيع دعم طارئ أظهرت أهمية دقة هذه القوائم لضمان وصول المساعدات لمستحقيها في الوقت المناسب.
- السياسات الضريبية العادلة: بناء نظام ضريبي تصاعدي يتطلب معرفة موثوقة بتوزيع الثروة والدخل، وهو ما يوفره مشروع الإفصاح كأثر جانبي.
- برامج الإسكان والمرافق: توجيه الوحدات السكنية المدعومة وربط الخدمات بمستوى الدخل يحتاج إلى خريطة معيشية دقيقة لضمان العدالة.
- سياسات سوق العمل: معرفة التوزيع الجغرافي والقطاعي للفقر والبطالة تمكن الحكومة من توجيه برامج التدريب وفرص العمل بفعالية.
- تقييم أثر السياسات الاجتماعية: بدون خط أساس دقيق لمستويات المعيشة، يستحيل قياس الأثر الحقيقي لبرامج مثل تكافل وكرامة وحياة كريمة.
قاعدة البيانات كبنية تحتية اجتماعية
يقارن الكاتب بين الإنفاق الضخم على البنية التحتية المادية (طرق، جسور، موانئ) والاهتمام المحدود بالبنية التحتية الاجتماعية، رغم أن عائدها قد يكون أعلى. ويستشهد بتجارب دول مثل البرازيل التي تمتلك سجل "كاداسترو أونيكو" الذي يضم أكثر من 90 مليون مواطن، وتشيلي بنظام التسجيل الاجتماعي الموحد، مما يمكنها من الاستجابة السريعة للأزمات وضخ الدعم للأشد احتياجًا في ساعات.
الخلاصة: الخطوة الأولى نحو العدالة الاجتماعية
يخلص المقال إلى أن معالجة ملف العدالة الاجتماعية في مصر - بما في ذلك الدعم والإسكان والصحة والتعليم والضرائب - يتطلب خطوة أولى لا بديل عنها: معرفة هوية المواطنين ومستويات معيشتهم الحقيقية وكيف تتغير بمرور الوقت. ويعد مشروع الإفصاح الوطني هذه الخطوة الأولى. ويعد الكاتب في المقالة الثالثة بتفصيل كيفية تنفيذ المشروع بكفاءة في غضون ثلاثة أشهر، مستعينًا بالطاقة البشرية والتقنية المتاحة، ومستفيدًا من تجربة كينيا في الوصول إلى المحتاجين في المناطق النائية.



