فاطمة عمر تكتب: من عادتي أيام الامتحانات، وفي محاولة لجمع ما تبعثر من المنهج طوال العام بين ببجي وبلاي ستيشن ويوتيوب وتيك توك، أن أقوم بحملات تفتيشية مفاجئة. أسير على أطراف أصابعي، مسلحة بسلاح الأم المصرية، وأفتح باب الغرف بقوة كزوار الفجر، لأطمئن على سير المذاكرة. وفي إحدى المرات سألت: "إيه الأخبار يا حلوين؟" وكانت الإجابة صادمة: "إحنا جضينا".
دهشة الأم واكتشاف الكلمة
بعد أن عشت اندهاشاً لحظياً، كيف عرف هذا الجيل تلك الكلمة؟ سألت: "أنتم؟! جضينا؟" انتابتني حالة نادرة من الضحك حتى دمعت عيناي. فهذه الكلمة لم أسمعها منذ أيام الست فاطمة تعلبة في مسلسل الوتد، وهي ليست من كلماتي التي أستخدمها، وظننتها قد اندثرت مع كلمة "لوكامية" منذ زمن بعيد.
"جضينا" في العامية المصرية تعني أن الشخص منهك ومتعب وجاب آخره. وهنا، وبصوت المعلق علي الكعبي وبمناسبة مولد كأس العالم، سأصمت قليلاً. لماذا؟ لأنني وجدت أنني أيضاً "جضيت"، ولست وحدي.
وجوه جضيت في الشوارع
جرب حضرتك وأنت تسير في أي شارع، أو حتى عند توقف سيارتك في إشارة مرور أو زحام، أن تنظر في وجوه من حولك. ستجد المعنى الحقيقي لكلمة "جضيت" مرسوماً بريشة الانكسار على وجوه الناس. فهذا يحمل هم الأقساط، وذلك يحسب "حسبة برمة" كيف يستطيع أن يعبر بما بقي من فتات راتبه في العشر الأول من الشهر. وهذا الشاب وغيره كثير، إما أصابهم داء البطالة أو يجوبون الشوارع في أعمال لا تتفق ومؤهلاتهم الدراسية، سواء انتهوا من دراستهم أو ما زالوا.
وتلك السيدة التي لا تعرف كيف تدبر أمورها من هنا ومن هناك كي تستر بيتها. وهذه مطلقة، وأخرى معلقة، وثالثة أرملة، يتجولن بين أروقة المحاكم والمصالح الحكومية لشهور وربما سنوات كي يحصلن على حقوقهن.
ووجوه شاحبة وأجساد مريضة على قوائم الانتظار أو طوابيرها في المستشفيات الحكومية، أو ما بقي منها على قيد الحياة. أو ربما تجد من هم في سن أبيك أو أمك يقفون طوابير طويلة كي يحصلوا على معاشهم، إن لم يكن تأخر بالشهور لأن "السيستم بيسقط". أو من هو في سن ابنك يعمل في توصيل الطلبات للمنازل صيفاً كي يتعلم شتاءً.
صرخة من القلب
وهنا، ليس بصوت الكعبي ولكن بالصوت الحياني، سأصرخ قليلاً وأقول: "يختااااااااي"، أي أنني أريد أن أشتري يختاً وأركنه في مارينا اليخوت، وأطبق إيدي في عشرة جنيه وأعطيها لسايس اليخوت عشان يطوقه عدل. مش قلت لكم جضيت؟
العامية المصرية: جضيت = منهك ومتعب.



