يُحذّر الدكتور عائد زقوت من أخطر ما قد يفعله المهزوم، سواء كان فرداً أو جماعة أو دولة، وهو العجز عن تشخيص أسباب الهزيمة ومواجهتها بشجاعة. فالمُقامر والمُغامر ينتظران ضربة حظ تعوض الخسائر، ويبددان الوقت في محاولة تزيين الهزيمة أو تحسين شروطها.
النهوض من الهزيمة
أما الأفراد والجماعات القادرة على النهوض، فلا تتوقف عن طرح الأسئلة الصعبة: أين أخطأنا؟ ولماذا؟ وما السنن التي خالفناها؟ وما الذي ينبغي فعله لتحقيق نتائج مختلفة؟
الشك واليقين ليسا نقيضين مطلقين، بل يتداخلان في التجربة الإنسانية. فالشك الصادق هو مدخل المعرفة، واليقين الجامد يتحول إلى يقين معطل.
دروس التاريخ
التاريخ لا يعرف المفاجآت بقدر ما يعرف التراكمات، ولا يكافئ المقامرات بقدر ما يكافئ الإعداد. فالتحرير ليس أمنيات، والنهضة ليست صدفة، والنصر لا يولد عشوائياً.
تُظهر التجارب التاريخية أن الهزيمة قد تتحول إلى نقطة انطلاق جديدة. فقد تمكنت فيتنام من تحويل هزائمها إلى نصر تاريخي عبر مراجعة داخلية عميقة. وكذلك فعلت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولتا من أنقاض الهزيمة إلى قوى اقتصادية كبرى.
غياب المراجعة النقدية
في المقابل، تُظهر بعض التجارب العربية، خاصة الفلسطينية، أن غياب المراجعة النقدية يؤدي إلى إعادة إنتاج الهزيمة بأشكال مختلفة، حيث تتكرر أنماط الصراع دون إعادة تعريف للأدوات أو الأهداف.
النجاح الحقيقي يبدأ من إدراك قيمة "الآن" كمساحة لاتخاذ القرار، لا للتأمل المجرد. فالأمم لا تُبنى بالمراهنة على المستقبل، بل بالقدرة على تحويل اللحظة الراهنة إلى فعل واعٍ.
المستقبل يصنع في الحاضر
المستقبل ليس محطة تصلها الشعوب تلقائياً، بل مسار يُصنع من تراكم الخيارات الصحيحة في الحاضر. "الآن" هي نقطة التقاء بين الإرادة السياسية والوعي الجمعي.
ما يبدو قراراً فردياً يتحول إلى بنية جماعية تحدد مصير شعب كامل. وإن لم تصل التجارب في غزة إلى إدراك قوانين التاريخ، فإن ما يجري اليوم سيكون صورة متكررة للوقوف على حافة الهاوية.
التاريخ لا يمنح استثناءات دائمة، بل فرصاً مشروطة بالوعي والفعل. ومن لا يراجع مساره يتحول من صاحب قضية إلى أسير لها.
إعادة إنتاج الهزيمة
من لا يتعلم من الهزيمة لا يخرج منها، بل يعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، حتى تتحول من حدث عابر إلى مسار تاريخي متكرر. وعندها تمضي السنن كما مضت، حيث لا تُكافأ المقامرة ولا تُغتفر الأخطاء المتكررة.
على الرغم من أن إسرائيل تنظر إلى الصراع كصراع وجودي، مع اختلال في موازين القوى، فإن هذه المعطيات لا تلغي ضرورة الاحتكام إلى منطق الفعل السياسي وقوانين التاريخ.
وإن لم يرتقِ أصحاب القرار في المشهد الفلسطيني إلى مستوى المسؤولية، فإن سنن التاريخ ستمضي بهم إلى صحاري السياسة، حيث لا مكان لمن يكرر الأخطاء وينتظر نتائج مختلفة.



