طوابير العيد تكشف هشاشة البنية المصرفية في مصر
طوابير العيد تكشف هشاشة البنية المصرفية

في وقت يحدثنا فيه رؤساء البنوك كل صباح ومساء عن التحول الرقمي، يقف المواطن المصري ليلًا ونهارًا في طوابير طويلة أمام ماكينات الصراف الآلي التي لا تعمل، أو تعمل لكنها بلا نقود، أو تبتلع البطاقة ثم تعتذر ببرود: “نأسف.. الماكينة خارج الخدمة مؤقتًا”.

سخرية الأرقام والواقع

أيُّ سخريةٍ هذه التي تجعل مواطنًا ينتظر راتبه أو معاشه كأنه ينتظر إعانة حرب، بينما تُقذف في وجهه أرقام المليارات وكأنها إنجاز اقتصادي خارق؟! المشهد قبل عيد الأضحى لم يكن مجرد عطل تقني، بل كان صورة مكثفة لأزمة أعمق؛ أزمة إدارة، وأزمة أولويات، وأزمة عقلٍ بيروقراطي يتعامل مع البشر باعتبارهم “ضغطًا على السيستم”، لا مواطنين لهم احتياجات وكرامة وحقوق.

تفسير غير مقنع

حين يخرج رئيس اتحاد البنوك محمد الإتربي ليقول إن المصريين سحبوا 9 مليارات جنيه في يومين، فهو يظن أنه يقدِّم تفسيرًا مقنعًا للأزمة، بينما هو في الحقيقة يكشف حجم الانفصال عن الواقع. نعم تسعة مليارات جنيه لكنها ليست رقمًا ضخمًا كما يتصور البعض فهناك عشرات الملايين من عملاء البنوك إذا قسّمنا هذه المليارات التسعة عليهم فكم سيكون نصيب الفرد من هذا الرقم المرعب؟! إنها بضع مئات من الجنيهات لا تكفي أسرة متوسطة لشراء احتياجات يوم واحد قبل العيد.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أسئلة تبحث عن إجابة

هل أصبح شراء كيلو لحم رفاهية مفاجئة أربكت القطاع المصرفي؟! وهل لم تكن البنوك تعلم أن المصريين يسحبون مرتباتهم ومعاشاتهم وأموالهم لشراء احتياجاتهم قبل الأعياد؟! أم أن التخطيط المسبق صار ترفًا إداريًا لا وقت له وسط حفلات المؤتمرات والتطبيقات اللامعة والإعلانات الباذخة عن الخدمات الذكية؟!

هشاشة البنية المصرفية

الحقيقة المؤلمة أن ما جرى فضح هشاشة البنية المصرفية أكثر مما فضح شهية المواطنين للسحب. الماكينات تتعطل تحت الضغط، والسيولة تنفد سريعًا، والدعم الفني يأتي متأخرًا، وكبار السن يفترشون الأرصفة في انتظار دور قد لا يأتي، بينما تُدار الأزمة بعقلية تبريرية تعتبر المواطن هو المتهم الأول لأنه يسحب كثيرًا. هكذا ببساطة يتحول المواطن من صاحب حق إلى عبء على المنظومة.

الثقة هي رأس المال الحقيقي

والأخطر أن الأزمة لم تعد تخص ماكينة صراف آلي هنا أو هناك، بل أصبحت تمس الثقة نفسها. الثقة هي رأس مال البنوك الحقيقي، لا الأبراج الزجاجية ولا الأرباح السنوية. وحين يقف الناس بالساعات أمام ماكينة فارغة، أو تُخصم أموالهم دون أن تخرج، فإن الشروخ تبدأ في التسلل إلى تلك الثقة بصمتٍ خطير.

دروس من الدول المتقدمة

في الدول التي تحترم مواطنيها، تُدار مواسم الأعياد بخطط طوارئ استثنائية: زيادة ضخ الأموال، دعم الشبكات، فرق صيانة تعمل 24 ساعة، وانتشار استباقي للخدمة. أما عندنا، فتتكرر الأزمة كل موسم كأنها قدر أبدي، ثم يخرج المسؤولون لإلقاء اللوم على كثرة السحب وكأن المواطنين ارتكبوا جريمة لأنهم يريدون أموالهم!

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تناقض التحول الرقمي

المفارقة أن البنوك نفسها تضغط يوميًا لدفع الناس نحو الاقتصاد غير النقدي، والمحافظ الإلكترونية، والتطبيقات البنكية، بينما تعجز في اللحظة الحاسمة عن تأمين أبسط حق وهو سحب المواطن لماله من ماكينة تعمل. إنها ليست أزمة سيولة فقط، بل أزمة فلسفة كاملة في إدارة الخدمة العامة. فالدولة التي تطلب من مواطنيها الثقة في التحول الرقمي، مطالبة أولًا بأن تضمن لهم ألا يتحول السحب من ماكينة إلى رحلة إذلال جماعي قبل العيد.

خلل هيكلي لا طارئ

ما حدث يجب ألا يمر باعتباره ضغط موسم وينتهي، لأن تكرار المشهد سنويًا يعني أن الخلل هيكلي، لا طارئ. والمؤسف أن بعض المسؤولين ما زالوا يظنون أن الأرقام الكبيرة يمكن أن تخدع الناس، بينما الحقيقة يراها المواطن بعينيه في طوابير بالنهار والليل، وعلى وجوه كبار السن، وفي عبارة تتكرر كأنها بيان رسمي دائم للفشل: نأسف.. الماكينة خارج الخدمة.