تشهد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تصاعداً في حالة الجدل والانتقادات الداخلية بشأن جدوى استمرار الانتشار العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان، وذلك بعد مرور أكثر من شهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله حيز التنفيذ، وفق تقرير نشرته جريدة "إسرائيل اليوم".
تساؤلات حول فعالية الشريط الأمني
وبحسب التقرير، تتزايد التساؤلات داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي حول فعالية إبقاء قوات إسرائيلية فيما يعرف بالشريط الأمني في الجنوب اللبناني، في ظل ما يصفه قادة ميدانيون بـ"قيود عملياتية" تعرقل قدرة الجيش الإسرائيلي على تحقيق أهداف واضحة، بالتوازي مع استمرار وقوع خسائر بشرية.
ونقلت الجريدة عن قيادات عسكرية إسرائيلية وضع قوات جيش الاحتلال في لبنان بأنه "ورطة" و"مأزق عملياتي"، في ظل تقييد الحركة من جهة، وغياب قرار سياسي واضح بالانسحاب من جهة أخرى، بالتوازي مع تسجيل خسائر إسرائيلية ميدانية وظهور نقاشات داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حول طبيعة المهمة وجدواها العملياتية.
المخططات الإسرائيلية في لبنان
تربط التحليلات السياسية بين بقاء التصعيد الإسرائيلي في لبنان وبين اعتبارات داخلية تتعلق بالمشهد السياسي والقضائي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، في ظل استمرار محاكمته في قضايا فساد ورشوة، فضلاً عن بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية الإسرائيلية.
وفي السياق، يسعى نتنياهو لاستخدام التصعيد العسكري في لبنان كورقة انتخابية للتغطية على فشله في ملف الحرب على إيران؛ وتحديداً فيما يتعلق بعجزه عن الفصل بين إيران وحزب الله، وعرقلة نزع سلاح حزب الله.
وبحسب هذه القراءات، يرى بعض المراقبين أن التوترات الإقليمية، بما في ذلك احتمال الانزلاق نحو مواجهة أوسع مع حزب الله، قد تستخدم كعامل لإعادة تشكيل المشهد الداخلي الإسرائيلي، من خلال تعزيز الالتفاف السياسي حول الحكومة في أوقات الحرب أو التهديد الأمني.
ورطة جيش الاحتلال في لبنان
تضع سياسات نتنياهو جيش الاحتلال الإسرائيلي في أزمتين أساسيتين؛ أولهما وجود أزمة متفاقمة في القوى البشرية، حيث يخدم به حالياً نحو 90 ألف جندي احتياط، أي أكثر من ضعف العدد المخطط له لعام 2026، بحسب تقديرات جريدة "إسرائيل اليوم".
وتضيف: ينعكس ذلك على الجاهزية العملياتية في عدة جبهات، من بينها لبنان وغزة والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى الحدود مع سورية والجبهة الإيرانية.
ويهدد استمرار تعدد المهام دون تقليصها -أو توفير موارد إضافية- قدرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على الاستمرار بالوتيرة الحالية، وسط تراجع في ثقة جنود الاحتياط بالقيادة العسكرية الإسرائيلية بعد سنوات من العمليات دون تحقيق "حسم واضح"، وفق الجريدة.
نظام التجنيد ومخططات الاحتلال
في تحذيرات أخيرة، أكد رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية إيال زامير أن الجيش الإسرائيلي "قد ينهار من الداخل" إذا استمر الضغط العملياتي الحالي دون توسيع قاعدة التجنيد أو تقليص الأعباء، مشدداً على أن توسيع دائرة المجندين أصبح "مسألة جوهرية وحاسمة" للحفاظ على الجاهزية القتالية.
وتتعارض متطلبات زامير مع رفض الحريديم -الذين يشكلون نحو 13% من سكان الكيان الإسرائيلي- أداء الخدمة العسكرية؛ في ملف تحول هو الآخر إلى ورقة انتخابية، في ظل ربط حزب شاس دعمه لنتنياهو بتمرير قانون إعفاء الحريديم من التجنيد، وسط تصاعد أزمة حادة وغير مسبوقة في منظومة التجنيد داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
الاقتصاد والقرار العسكري
يتطلب بقاء جيش الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني لفترة طويلة وإقامة عشرات المواقع العسكرية هناك، توفير ميزانية ضخمة لإقامة هذه المواقع حالياً.
ويصطدم ذلك مع شكاوى وزارة المالية الإسرائيلية من تفاقم الأوضاع الاقتصادية جراء تلبية تلك المخططات، والتي تحتاج إلى ميزانية ضخمة لتنفيذ المهام الملقاة على جيش الاحتلال في مختلف الساحات، بدءاً من الحفاظ على شريط أمني في لبنان وغزة وسوريا، مروراً بحماية عشرات المستوطنات الجديدة والقديمة في الضفة الغربية المحتلة، والحفاظ على الجاهزية العسكرية تجاه إيران.
وبلغة الأرقام، انكمش الاقتصاد الإسرائيلي بمعدل سنوي 3.3% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، إذ تأثر الناتج المحلي الإجمالي بالحرب على إيران، بحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية؛ فيما أدت تكاليف الحرب إلى وصول عجز الميزانية الإسرائيلية إلى مستويات قياسية تقدر بنحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أدت الحرب الإسرائيلية على إيران إلى خسائر إسرائيلية تقدر بنحو 3.11 مليار دولار أمريكي أسبوعياً، فضلاً عن تعطيل سلاسل الإمداد، وتباطؤ قطاعات هامة مثل السياحة، والاستثمارات الأجنبية، وقطاع التكنولوجيا الحساس؛ وتضاف تلك الخسائر إلى خسائر سلطات الاحتلال خلال حرب الإبادة على غزة، والتي بلغت أكثر من 169 مليار دولار، خلال الفترة من أكتوبر 2023 وحتى نهاية العام 2025، وفق بيانات "بنك إسرائيل".
السياسة وقواعد الاشتباك
والمحصلة، يمكن فهم الوضع في جنوب لبنان ضمن إطار عسكري وسياسي واقتصادي. بالتالي، فإن أي تغيير في أحد هذه المستويات ينعكس تلقائياً على باقي المستويات، ما يجعل الاستقرار في هذه الجبهة مجرد توازن هش وليس نتيجة حسم نهائي.



