في مثل هذا اليوم، 18 مايو 1896، ولد الصحفي المصري محمد التابعي، الذي كتب مقالًا شهيرًا في مجلة آخر ساعة عام 1950، خلال أزمة اقتصادية عالمية حادة أثرت على مصر وزادت من معاناة الفقراء وانخفاض مستوى المعيشة.
كلام في كلام
جاء المقال تحت عنوان «كلام في كلام»، حيث قال التابعي: «لا أعرف مسئولًا، وزيرًا كان أو غير وزير، في هذه الوزارة أو في أي وزارة سابقة، لم يتحدث ويملأ فمه الحلو بالكلام المعسول عن رفع مستوى المعيشة، ومكافحة الفقر والجهل والمرض، وتضييق الفوارق بين الطبقات، والعمل على تخفيف معاناة المواطنين، حتى أصبحت أسماء المسئولين الذين يتحدثون في هذا الشأن تملأ مجلدات».
وأضاف: «لقد تحدث كل عضو تقريبًا من أعضاء هذه الوزارة (آخر وزارة قبل ثورة يوليو 1950) في مناسبة ما أو في غير مناسبة، وأجره محسوب عند الله في كل معنى من هذه المعاني: مكافحة الفقر والجهل والمرض، وتحسين مستوى المعيشة، وإذابة الفوارق بين الطبقات. وكانت النتيجة أنه بعد مرور ثلاثة أعوام على تشكيل الوزارة، ظلت الأماني والمشروعات التي وُعد بها الناس مجرد كلام في كلام، ووعود معلقة في الهواء توشك أن تصبح هباءً، عدا وعد واحد تحقق، هو الوعد برفع مستوى المعيشة، إن كان رفع مستوى المعيشة يعني رفع تكاليف المعيشة وارتفاع الأسعار، واللي ما يرضاش بالتوت يرضى بشرابه».
أقة الكوسة بـ6 قروش
وتابع التابعي: «ضججنا بالشكوى من الغلاء، وتعجبنا كيف أصبحت أقة الكوسة بستة قروش، وقلنا إنها فضيحة، وما هي إلا أيام حتى أصبحت أقة الكوسة بـ20 قرشًا. وبعد ذلك يخرج صديقي القديم المحترم، وزير التجارة، ليقول تحت القبة: إن مصر في نعمة إذا ما قيست أسعارها بأسعار البلاد الأخرى. وعزاء أيها المصريون، كلما جعتم، أن سواكم من البشر أشد جوعًا، بينما الغلاء يتزايد وأسعار أوقة الكوسة في ارتفاع».
تخفيض الجنيه أمام الدولار
وأشار التابعي إلى أن بعض المسئولين يشرحون أسباب الداء، ومنها ارتفاع أسعار القطن، وهو غير صحيح أو ليس السبب الوحيد، لأن سعر القطن الذي لم يكن يزيد على عشرين جنيهًا ارتفع عام 1921 إلى خمسين جنيهًا، ومع ذلك لم ترتفع أسعار الخضراوات بالشكل نفسه. بينما يرد آخرون الغلاء إلى تخفيض سعر الجنيه أمام الدولار.
اتفاق الأطباء على الداء
واختتم التابعي مقاله قائلًا: «وآخرون يزعمون أن سبب الغلاء هو كثرة النقد المتداول بين أيدي الجمهور، وآخره كلام في كلام في كلام. والمطلوب أن يتفق الأطباء والخبراء أولًا على حقيقة أسباب الغلاء، ثم يتفقوا بعد ذلك على تشخيص الداء، ثم على وصف الدواء وإعداده، وأن يأخذ المريض بأسباب الشفاء، وأن يضع الشعب المصري على بطنه حزامًا من صبر أيوب، وعلى الله الثواب».
مسيرة محمد التابعي الصحفية
ولد محمد التابعي عام 1896، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة عام 1923، واتجه إلى العمل الصحفي بعد أن عمل موظفًا بقسم الترجمة في مجلس النواب. تفرغ للكتابة في الأهرام بتوقيع «حندس»، ثم انتقل إلى روز اليوسف بعد المساهمة في تأسيسها وكتابة المقالات السياسية بها. كما أسس مجلة آخر ساعة عام 1934، وشارك مع محمود أبو الفتح في تأسيس جريدة المصري عام 1936.
مقالات هزت عرش الحكومات
انتقلت مقالات التابعي إلى الأخبار، وكان الصحفي الوحيد الذي يرافق العائلة المالكة في رحلاتها الطويلة إلى أوروبا، ثم يفضح ممارساتها في مقالاته. تفرغ للكتابة السياسية ونقد الأوضاع السائدة بأسلوب النقد المسرحي، فكتب مقالات تُسقط وزارة وأخرى تُقيم غيرها، حتى هزت كتاباته عروش الحكومات.
رسالة الصحافة محاربة الظلم
وتحدث محمد التابعي عن نفسه قائلًا: «أرى أن الصحافة تستطيع أن توجه الرأي العام، لا أن تتملقه أو تكتب ما يسره ويرضيه. ورسالة الصحافة عندي أن تحارب الظلم أيًا كان، وأن تقول ما تعتقد أنه الحق، ولو خالفت في ذلك الرأي العام. وأن يفوتك مائة سبق صحفي خير من أن تنشر خبرًا كاذبًا. وقليلون منا نحن الصحفيين من أوتوا الشجاعة لإبداء آرائهم، دون أن يبالوا باتهامهم في نزاهتهم أو بأنهم مأجورون يتقاضون ثمن مقالاتهم من دولة أو جهة ما. وإنني أفضل أن أكون إنسانًا ملتزمًا بالقيم والمبادئ والمثل العليا والأمانة الصحفية، على أن أكون أشهر صحفي في العالم».



