في حوار حصري مع "فيتو"، يفتح الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق والمفكر الاقتصادي البارز، النار على المسكوت عنه في السياسات المالية المصرية، مستخدماً استعارة "متى يستقيم الظل والعود أعوج" لوصف العلاقة بين الإصلاح السياسي والاقتصادي. يضع عبد الخالق مرآة الواقع أمام المواطنين، كاشفاً عن "الثقوب السوداء" التي تلتهم موازنة الدولة من صناديق سيادية وخاصة وهيئات اقتصادية تعمل خارج السرب، وصولاً إلى فلسفة الاقتراض التي تحولت إلى قدر لا مفر منه. لا يقدم الحوار مجرد قراءة رقمية للحساب الختامي، بل يرسم روشتة مغايرة ترى أن مفتاح النجاة للاقتصاد المصري يبدأ من بوابة الإصلاح السياسي أولاً.
السجال البرلماني حول الحساب الختامي
بداية، كيف تقرأ حالة السجال البرلماني الراهنة حول "الحساب الختامي" للموازنة؟ يرى عبد الخالق أن هذا السجال ليس مجرد نقاش عابر، بل هو صلب العمل البرلماني. يجب أن نتذكر أن البرلمان، سواء بنظام الغرفة الواحدة أو الغرفتين (النواب والشيوخ)، يقوم على ازدواجية الوظيفة: الرقابة والتشريع. العلاقة المفترضة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يجب أن تسير وفق منطق العين والحاجب، حيث يكون البرلمان هو الحاجب الذي يحمي ويراقب، بينما تمثل الحكومة العين التي تعمل تحت هذا الغطاء الرقابي. لكن بكل صراحة، هناك علامات استفهام كبيرة حول هذه العلاقة في الوقت الحالي؛ إذ يبدو أن الآية قد انعكست، فباتت الحكومة هي التي تلعب دور الحاجب المهيمن، بينما تراجع البرلمان ليصبح هو العين التي تكتفي بالمشاهدة، مما يفرغ السجال حول الحساب الختامي من جوهره الرقابي الحقيقي ويجعله مجرد إجراء شكلي.
الأزمات الاقتصادية: ظروف عالمية أم قرارات محلية؟
بالانتقال إلى الأرقام والموازنة العامة، يرى البعض أن الأزمات الاقتصادية الحالية هي مجرد انعكاس لظروف عالمية قهرية. يرد عبد الخالق: "دعنا نضع النقاط على الحروف، فالاقتصاد في جوهره ما هو إلا انعكاس للسياسة وما يحدث بها. البرلمان وفقاً لضوابط دستورية في المادة 124 يلزم الحكومة بتقديم مشروع الموازنة قبل بدء السنة المالية بـ 90 يوماً، وبالتالي الاختلال الاقتصادي يتم بفعل فاعل، لأن الاقتصاد هو انعكاس للسياسة. الاختلالات هي نتاج قرارات اتخذتها الحكومة على شكل قوانين، وبالتالي تعكس أولويات قوى مختلفة في المجتمع. جزء من هذه الاختلالات ناجم عن ظروف طبيعية مثل السيول والفيضانات والكوارث، لكن الجزء الأكبر ينتج عن قرارات سياسية متعمدة تصدر إما عن طريق تشريع من البرلمان أو من جهة تنفيذية، وهذه القرارات تخلق أوضاعاً يمكن وصفها بالاختلالات. الحالة المصرية في عجز الموازنة الكبير تعكس مصالح مسؤولين حكوميين والقوى المنفذة من رجال الأعمال، بالإضافة إلى أسواق تم تنظيمها بطريقة تحمي الاحتكار والمحتكرين، وتؤدي إلى انخفاض قيمة العملة منذ عام 2016 وحتى الآن."
ويضيف: "الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أن الحكومة تمتلك قاموساً مضللاً، خاصة في عالم يموج بالمتغيرات، نجد أنفسنا نبتكر كلمة 'تحديات' في كل مناسبة، وهذا نوع من التدليس لتبرير إخفاقات وإخلاء المسؤولية. فيما يتعلق بعجز الموازنة العامة، تسارع الحكومة إلى الاقتراض، والجزء الأكبر داخلياً والجزء الأقل خارجياً. هنا يجب التوقف عند الاقتراض الداخلي الذي يعني أن إنفاق الحكومة يفوق الإيرادات وتعوض الفارق بطباعة النقود، ويتم ذلك عبر أدوات قصيرة الأجل تسمى 'أذون خزانة' وأخرى طويلة الأجل تسمى 'سندات خزانة'. في الواقع، تطلب الحكومة من البنك المركزي طباعة النقد، مما يؤدي إلى ضخ كميات كبيرة من النقود في السوق، والنتيجة طبعاً زيادة الطلب على السلع وارتفاع الأسعار، وكأنها ضريبة تضخم مفروضة على المواطن، والأخطر هنا أنها تصدر بلا قانون."
ويشير إلى أنه في الحساب الختامي لعام 2024/2025، تجاوزت الإيرادات الضريبية التقديرات بنسبة 4%، وهو أمر إيجابي. ومع ذلك، فإن نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة 12.6% تعد منخفضة مقارنة بالدول المشابهة من الاقتصادات الناشئة والنامية، مما يشير إلى أن المنظومة الضريبية لم تصل بعد إلى طاقتها العادلة، خاصة في ظل وجود قطاع غير رسمي ضخم وثروات غير خاضعة للضريبة.
كيفية التعامل مع اختلالات الموازنة
يسأل المحرر: وكيف يتم التعامل مع هذه الاختلالات في الموازنة؟ يجيب عبد الخالق: "للتعامل مع هذه الاختلالات، هناك شق سياسي وهو ضبط العلاقة بين السلطة التشريعية (البرلمان) والسلطة التنفيذية (الحكومة)، بحيث يكون للبرلمان قدرة على أداء دوره الرقابي والتشريعي. فمثلاً، الحساب الختامي اعترض عليه بعض النواب، والحكومة لم تغير شيئاً، فهي تستشعر أنها أقوى من البرلمان بدليل استهانة بعض الوزراء وعدم الحضور إلى البرلمان. ولذلك نرى أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج بالضرورة إلى إصلاح سياسي، وكما يقول بيت الشعر 'متى يستقيم العود والظل أعوج'، فالأمر يشبه 'الذهب الفالصو' الذي لا يرقى لقيمته الحقيقية. إذا طبقنا هذا على الواقع، فإنه إذا كان ميدان السياسة معوجاً، فلا يمكن أن نتوقع إصلاحاً حقيقياً للاقتصاد، وبالتالي يصبح الإصلاح السياسي ضرورة من خلال تحقيق استقلالية السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية."
ويضيف: "ولعل ما جرى في الحوار الوطني من حديث عن الإصلاح السياسي لم ينفذ بعد، علماً أن الإصلاح السياسي يأتي في المقام الأول قبل الإصلاح الاقتصادي. فبتطبيق هذا الإصلاح، يجب أن يكون الداخل قبل الخارج والمواطن قبل الحجر، مع وضع أولويات وطنية صارمة ترتكز على الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة قبل أي شيء آخر، وكذلك على استقرار قيمة العملة الوطنية. فعلى سبيل المثال، في عام 2016 كان الجنيه المصري يعادل نحو 12 سنتاً أمريكياً والدولار يعادل 8 جنيهات، بينما انخفض الجنيه تدريجياً حتى وصل سعر الدولار إلى 50 جنيهاً، أي أقل من 2 سنت أمريكي. هذا التدهور أدى إلى زلزال اجتماعي واقتصادي انعكس في ارتفاع معدلات الفقر والجريمة نتيجة الأزمة الاقتصادية العميقة."
مقارنة دولية: الجنيه المصري مقابل العملات الأخرى
يسأل المحرر: هل مثل هذه الاختلالات موجودة في موازنات دول أخرى وكيف تعاملت معها؟ يجيب عبد الخالق: "ما حدث للعملة الوطنية، أي الجنيه المصري، يمثل أكبر اختلال في الاقتصاد. فحتى لو نظرنا إلى أوكرانيا التي تعيش حالة حرب منذ ما يقرب من أربع سنوات، نجد أن عملتها لم تتأثر بشكل كبير والتضخم لم يسقطها، في حين وصل التضخم لدينا في إحدى السنوات إلى 40%. وبالتالي، لا توجد دول شهدت مثل هذه الاختلالات، حتى إيران التي تعيش في حالة حرب وتخضع لعقوبات اقتصادية شديدة."
ويضيف: "الأمر الأكثر غرابة أن الولايات المتحدة لديها قانون يلزم الحكومة بالإعلان عن سقف الدين الذي لا يجوز تجاوزه إلا بموافقة الكونجرس، بينما لدينا سردية تقول إن قلة الادخار تجبرنا على الاستدانة، وكل السياسات لدينا تحض على الاقتراض الذي أصبح كأنه فلسفة اقتصادية. معدل الادخار في مصر حوالي 2%، ومع ذلك يمكن أن أجادل الحكومة بأن مصر ليست من أفقر دول العالم، فهناك دول كثيرة أفقر من مصر ومعدل الادخار فيها أعلى. فعلى سبيل المثال، متوسط دخل الفرد في الهند نصف دخل الفرد في مصر، ولكن معدل الادخار في الهند يبلغ حوالي 20%، أي أعلى بكثير من مصر. وبالتالي، من يدعي أن قلة الادخار هي سبب الأزمة هو ادعاء غير صحيح، بينما أصبح اللجوء للقروض والاعتماد على الاستدانة الاستهلاكية قضية قومية تستدعي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية بشكل عاجل."
الهيئات الاقتصادية: ثقوب في الموازنة
يسأل المحرر: وهل الهيئات الاقتصادية تمثل ثقوباً كبيرة في الموازنة؟ وما الحل في نظرك؟ يجيب عبد الخالق: "نعم، هذا مؤكد. فالهيئات الاقتصادية تمثل ثقوباً كبيرة في الموازنة العامة. هناك مشروعات ضخمة يتم تنفيذها دون أن يكون لها ضرورة ملحة، وغريب أنها تنفذ أحياناً دون دراسات جدوى، مثل العاصمة الإدارية والمشروع العقاري الذي أعلنت عنه مجموعة مصطفى طلعت. وحتى دخول البنوك في مشاريع خاصة، كل هذه المشروعات تزيد من الاختلالات في الموازنة نتيجة زيادة الواردات لتلك المشروعات دون أن يقابلها زيادة في الصادرات. بالإضافة إلى ذلك، فإن المعالجة المالية للهيئات الاقتصادية تشمل إيراداتها ومصروفاتها، وتمتلك كثير من هذه الهيئات صناديق مالية، وما يدخل إليها أو يخرج منها يكون خارج نطاق الحصر في الموازنة العامة للدولة، رغم أن هناك مبدأ أساسياً وهو وحدة الموازنة العامة، وبالتالي يتوجب حصر كل الإيرادات والمصروفات الخاصة بالدولة ضمن الموازنة العامة."
ويضيف: "أما الحديث عن السياسة المالية للهيئات الاقتصادية فهو جزء قليل جداً، وغالباً لا نراه واضحاً، حيث تحصل هذه الهيئات على قروض، وعند وضع سياسة عامة فإنها تكون ناقصة حسب اعتراف وزير المالية. في حالة مصر، نجد أن حوالي 50% من النشاط المالي للدولة لا يظهر في الموازنة العامة، مما يضعف الشفافية ويزيد من صعوبة التحكم في الموارد المالية للدولة."
الصندوق السيادي: ثقب أسود
يسأل المحرر: وهل الصندوق السيادي يمثل ثقباً جديداً في الموازنة العامة للدولة؟ يجيب عبد الخالق: "الصندوق السيادي يعد ثقباً أسود، بمعنى أننا لا نعرف ما بداخله، كما أنه لا يخضع للرقابة من الجهات المعنية. فمجلس النواب لا يراجع حساباته، والجهاز المركزي للمحاسبات لا يتابعها، وبالتالي لا يمكننا معرفة ما يملكه المصريون داخل الصندوق باستثناء عدد قليل من الأشخاص الذين لم يخترهم الشعب ولا يمكن محاسبتهم. وقد أنشئ الصندوق السيادي في أصله كأداة للدول التي تمتلك فائضاً اقتصادياً لتضع جزءاً منه في صندوق مستقل، كما في النرويج ودول الخليج حيث يتم تخصيص جزء من عائدات النفط لهذا الصندوق السيادي."
الصناديق الخاصة: ثقوب أخرى
يسأل المحرر: وهل الصناديق الخاصة تعتبر من ثقوب الموازنة؟ يجيب عبد الخالق: "يجب أن نعلم أن الصناديق الخاصة متعددة وتتبع جهات حكومية وهيئات عامة، ويتم اتخاذ القرارات فيها على المستوى الإداري لتلك الجهات. ومع ذلك، ليس كل هذه الصناديق مدرجة ضمن الموازنة العامة للدولة، ولا تتوافر بيانات كافية عن عدد هذه الصناديق وحجم نشاطها المالي. وتعتبر هذه الصناديق ثقباً في الموازنة العامة حيث يصعب تتبع مواردها واستخداماتها بدقة."
فوائد الديون: ثقب في الموازنة
يسأل المحرر: وهل تمثل فوائد الديون الداخلية والخارجية أيضاً ثقوباً في الموازنة؟ يجيب عبد الخالق: "الفوائد هي المبالغ التي تلتزم الدولة بسدادها سواء للدائنين الداخليين أو الخارجيين مقابل حصولها على الأموال على شكل قروض حتى يتم السداد الكامل. وبذلك تشكل الفوائد والأقساط ثقباً في الموازنة العامة للدولة، لأنها تمثل باباً واسعاً تصرف منه الأموال ضمن نطاق الموازنة سواء داخل الدولة أو خارجها. وعندما تأخذ الدولة قروضاً وتلتزم بسدادها، تصبح هذه الالتزامات جزءاً كبيراً من الضغوط المالية على الموازنة."
قرارات الحكومة المستنزفة للموازنة
يسأل المحرر: ما هي القرارات التي تصدرها الحكومة وتمثل استنزافاً للموازنة العامة للدولة؟ يجيب عبد الخالق: "عندما تتحدث الحكومة عن قرارات إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة أو مدن جديدة مثل مدينة العلمين الجديدة أو القاهرة الجديدة وأكتوبر وزايد، يتم تنفيذ هذه المشاريع عبر هيئة المجتمعات العمرانية، مما يعني إنفاقاً كبيراً على إعداد البنية التحتية. الخريطة العمرانية لدينا تشبه زهرة اللوتس حيث المساحات المبنية محدودة، والمشكلة تكمن في زيادة البناء في الصحراء وإقامة مشروعات مثل المونوريل وخطوط الصرف، مما يجعل تكاليف الإنفاق مرتفعة جداً ويستلزم حساباً دقيقاً. وفي الوقت نفسه، تعاني الطرق الداخلية في المدن القائمة من سوء الحالة لأن الإنفاق تحول بشكل كبير نحو المدن العمرانية الجديدة. كما أن الصيغة الجديدة للمشروعات المتمثلة في إطلاق اسم 'كمبوند' أو المجتمعات المغلقة تطبق على هذه المشروعات العمرانية الجديدة دون دراسات جدوى واضحة، وغالباً يتم الحصول على قروض لتمويلها قبل البدء في تنفيذها."
الاستثمارات غير المنتجة: هدر لأموال الشعب
يسأل المحرر: ما هي الاستثمارات غير المنتجة؟ وكيف تشكل هدراً لأموال الدولة والشعب؟ يجيب عبد الخالق: "الاستثمار غير المنتج يمكن تفصيله من خلال نوع العائد. فهناك استثمارات ذات عائد منظور وملموس، وهي المشروعات التي تؤدي إلى زيادة الإنتاجية وتعد منتجة. أما الاستثمارات ذات العائد غير المنظور فهي تلك التي لا تحقق أي قيمة حقيقية للاقتصاد أو للمجتمع. إذا طبقنا هذا على الواقع، نجد أمثلة واضحة مثل مشروع 'ممشى أهل مصر' الذي كان يفترض أن يكون كياناً عاماً على ضفاف نهر النيل، وعائده غير مرئي. فرض رسوم على الدخول قد يجعل المواطن يحجم عن استخدام هذا المشروع، خاصة أنه يعيد تكرار فكرة كورنيش النيل القديم ولا يمثل استثماراً منتجاً. وهناك مثال آخر وهو طريق مصر الإسكندرية الصحراوي بأربع حارات الذي تكلف بناؤه مبالغ باهظة، ويعود العائد منه لصالح فئة محددة أطلقنا عليها 'أهل إيجيبت'. بهذا الشكل، الحكومة تستخدم أموال الشعب لصالح فئة محددة، مما يضر بالعدالة الاجتماعية ويؤدي إلى هدر الموارد العامة."
روشتة لعلاج ثقوب الموازنة
يسأل المحرر: وكيف يمكنك وضع روشتة لعلاج ثقوب الموازنة العامة للدولة؟ يجيب عبد الخالق: "أولاً، يجب أن تتدرج الموازنة العامة للدولة بدءاً من مشروع موازنة تقدم إلى البرلمان، الذي يتعين عليه أداء وظيفته الدستورية المحددة وهي الرقابة والتشريع، والعمل على معالجة الثقوب والنقاط العالقة في المشروع الذي تقدمه الحكومة. وهذا يستلزم أولاً حدوث إصلاح سياسي حقيقي، خاصة أن إقرار الموازنة هو عملية سياسية بامتياز تتعلق بتحديد الأولويات. وبالتالي، لا يمكن توقع إصلاح حقيقي للاقتصاد المصري دون إصلاح سياسي مسبق."



