أيتام الطلاق: تحذيرات من عوار قانون الأسرة وتأثيراته النفسية على الأطفال
أيتام الطلاق: تحذيرات من عوار قانون الأسرة وتأثيراته على الأطفال

في خضم الجدل المتصاعد حول مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، وبين مطالبات بعض الأطراف بإنصاف الرجال، وتمسك آخرين بالدفاع عن حقوق المرأة، تتزايد التحذيرات من غياب التركيز على الطرف الأكثر تضررًا من هذه الصراعات، وهو الطفل، الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان ضحية مباشرة للخلافات الأسرية والثغرات القانونية.

ويرى متخصصون ومهتمون بقضايا الأسرة أن النقاش الدائر حول القانون لا ينبغي أن يقتصر على توازن الحقوق بين الأب والأم فقط، بل يجب أن ينطلق بالأساس من مصلحة الطفل، باعتباره الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا بتداعيات الانفصال والنزاعات القضائية الممتدة.

وتتصاعد المطالبات بأن يضع أي تشريع جديد حماية الأطفال نفسيًا واجتماعيًا في مقدمة أولوياته، من خلال ضمان بيئة مستقرة وآمنة لهم، بعيدًا عن الصراع بين الأبوين، مع الحفاظ على حقهم في الرعاية والتواصل المتوازن مع كلا الطرفين، بما يحد من الآثار النفسية والاجتماعية التي قد تلازمهم لسنوات طويلة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تفعيل دور المجالس العرفية ومكاتب التسوية

وفي هذا الصدد، أكد أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الطفل، أن أي تشريعات جديدة خاصة بالأحوال الشخصية يجب أن تنطلق أولًا من مصلحة الطفل، موضحًا أن الهدف الأساسي من قانون الأسرة هو حماية أبناء الطلاق والحفاظ على استقرار الأسرة، وليس زيادة حدة النزاعات بين الأطراف.

وأضاف أن الطفل لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة ضغط في الخلافات بين الأب والأم، سواء عبر منعه من الرؤية أو الاستضافة أو النفقة، مؤكدًا أن مثل هذه التصرفات تترك آثارًا نفسية واجتماعية خطيرة على الأطفال، وقد تؤدي إلى نشأة طفل يعاني اضطرابات نفسية وسلوكية في مراحل عمره اللاحقة.

وأشار إلى أن من أهم حقوق الطفل التي ينبغي أن يركز عليها قانون الأسرة، حقه في النشأة داخل بيئة أسرية متماسكة حتى في حالات الانفصال، مطالبًا بإعادة تفعيل دور المجالس العرفية ومكاتب تسوية المنازعات الأسرية، بهدف احتواء الخلافات قبل وصولها إلى ساحات المحاكم.

وفيما يتعلق بسن الحضانة، أكد أحمد مصيلحي أن بقاء الطفل في رعاية الأم حتى سن 15 عامًا يُعد أمرًا ضروريًا، خاصة بالنسبة للفتيات، موضحًا أن الطفل في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى رعاية مباشرة من امرأة، سواء كانت الأم أو الجدة، حتى يكتمل نضجه النفسي والاجتماعي.

وأشار إلى أنه يطالب بأن تكون الأم في المرتبة الأولى في الحضانة، تليها الجدة من ناحية الأم، ثم الجدة من ناحية الأب، على أن يأتي الأب في المرتبة الرابعة، بما يحقق – من وجهة نظره – الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل خلال سنواته الأولى.

وأضاف أن مسألة تخيير الطفل بعد بلوغه سن 15 عامًا لا ينبغي أن تكون مطلقة، بل يجب أن تخضع لعدة معايير، في مقدمتها الحالة النفسية للطفل، وظروف معيشته، ومدى وجود علاقة صحية ومستقرة مع الأب.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

وأوضح أن اللجوء إلى تخيير الطفل يمكن أن يكون مناسبًا في حال كانت العلاقة بين الأبوين قائمة على التفاهم والاستقرار، بما يضمن اتخاذ القرار بعيدًا عن الضغوط النفسية أو محاولات التأثير على الطفل من أي طرف.

كما تطرق رئيس شبكة حماية الطفل إلى ملفي الرؤية والاستضافة، مؤكدًا أن نظام الرؤية الحالي، الذي يقتصر على عدة ساعات داخل مراكز الشباب، لم يعد كافيًا لتحقيق التواصل الطبيعي بين الأب وأبنائه، مطالبًا بقدر أكبر من المرونة يسمح للأب بقضاء وقت حقيقي وطبيعي مع أطفاله، مع ضرورة وجود ضمانات قانونية واجتماعية تحمي مصلحة الطفل.

وطالب بتطبيق نظام الاستضافة، لكن وفق ضوابط وشروط واضحة، من بينها التأكد من عدم صدور أحكام أو وجود سوابق ضد الأب، إلى جانب إعداد تقارير اجتماعية ونفسية تؤكد أن الطفل سيكون في بيئة آمنة، وأن عملية الاستضافة لن تؤثر سلبًا على استقراره أو تعوق عودته بشكل طبيعي.

حقوق الطفل ليست وسيلة للعقاب

وأكد أحمد مصيلحي أن حقوق الطفل لا يجوز استخدامها كوسيلة للعقاب أو الضغط المتبادل بين الأب والأم، سواء فيما يتعلق بالرؤية أو الاستضافة أو النفقة، مشددًا على ضرورة الحفاظ على حق الطفل في التواصل الكامل مع كلا الوالدين حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية.

وأوضح أن استمرار الخلافات بين الطرفين ينعكس بصورة مباشرة على الحالة النفسية للأطفال، ما يتطلب تغليب مصلحة الأبناء على أي اعتبارات شخصية أو نزاعات قانونية بين الأبوين.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح أي قانون جديد للأحوال الشخصية لن يتحقق إلا بوجود وعي مجتمعي حقيقي بأهمية حماية الأطفال، والتعامل معهم باعتبارهم الضحية الأولى لأي نزاع أسري، مشددًا على أن الاستقرار النفسي والاجتماعي للطفل يجب أن يظل الهدف الأساسي لأي تشريع أو إجراء قانوني يتعلق بالأسرة.

آثار نفسية واجتماعية بسبب ثغرات القانون الحالي

وحذر محمد محمود حمودة، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر وزميل الجامعة الأمريكية للطب النفسي، من الآثار النفسية والاجتماعية التي قد يتعرض لها أبناء الطلاق نتيجة بعض الثغرات الموجودة في قوانين الأحوال الشخصية الحالية، مطالبًا بأن يركز أي قانون جديد للأسرة على حماية الطفل وضمان استقراره النفسي والاجتماعي، بعيدًا عن استخدامه كورقة ضغط بين الأب والأم.

وأكد أن رؤية الأب لأبنائه تمثل عنصرًا أساسيًا في تحقيق التوازن النفسي للطفل، مشيرًا إلى أن غياب الأب عن حياة أبنائه قد يؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية وسلوكية متعددة، لأن الطفل يحتاج إلى بيئة مستقرة قائمة على الاحترام والتوازن بين الوالدين حتى بعد الانفصال.

وأوضح أن استمرار حضانة الأم للطفل حتى سن السابعة، حتى في حالة زواجها، يُعد أمرًا مناسبًا من الناحية النفسية، نظرًا لاحتياج الطفل في هذه المرحلة العمرية المبكرة إلى وجود الأم ورعايتها المباشرة، على أن تنتقل الحضانة بعد ذلك وفقًا لما يحقق مصلحة الطفل الفضلى.

كما أشاد بوضع الأب في المرتبة الثانية للحضانة بعد الأم، معتبرًا أن ذلك يساهم في الحفاظ على التوازن الأسري، ويضمن استمرار دور الأب في حياة أبنائه بصورة طبيعية وصحية.

واعتبر محمد محمود حمودة أن نظام الاستضافة لعدة أيام أسبوعيًا، إلى جانب تفعيل الرؤية الإلكترونية في حالات سفر الأب أو بُعد المسافات، من بين البنود الإيجابية التي من شأنها تعزيز استمرار العلاقة الطبيعية بين الطفل ووالده، والحفاظ على التواصل الأسري بشكل متوازن بعد الانفصال.

وشدد على أهمية منح الطفل حق الاختيار بعد انتهاء سن الحضانة والمقدرة بـ15 عامًا، موضحًا أن الطفل في هذه المرحلة يكون أكثر نضجًا وقدرة على إدراك ظروفه وتحديد الطرف الأنسب للعيش معه.

وأكد أن أخذ رأي الطفل في هذا التوقيت يجب أن يتم بشكل مدروس، وبما يراعي حالته النفسية والاجتماعية، حفاظًا على استقراره النفسي وتجنبًا لأي ضغوط قد تؤثر على قراره أو توازنه الوجداني.

وانتقد محمد محمود حمودة استخدام نظام الرؤية أو الاستضافة كوسيلة ضغط على الأب في حال عدم التزامه بسداد النفقة، مشيرًا إلى أن حرمان الطفل من رؤية والده ينعكس سلبًا عليه بالدرجة الأولى قبل أي طرف آخر، لأن الطفل في جميع الأحوال يحتاج إلى وجود الأب والأم معًا في حياته، حتى في ظل الخلافات الزوجية.

وأكد أن ملف النفقة يجب أن يُدار عبر آليات قانونية مستقلة، بعيدًا عن تعطيل حق الطفل في التواصل مع والده، موضحًا أن فشل العلاقة الزوجية لا يعني انتهاء دور الأب والأم في تربية الأبناء، بل يستمر الطرفان كشريكين في المسؤولية التربوية.

وفي هذا السياق، أوضح أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئات أسرية مضطربة قد يواجهون تحديات في تكوين شخصيتهم واستقرارهم النفسي، إلا أن هذه النتائج لا ترتبط بعامل واحد بعينه، وإنما بتراكمات الصراع الأسري وغياب البيئة الآمنة والمتوازنة داخل الأسرة، مشددًا على ضرورة تجنيب الطفل أي صراعات بين الوالدين قدر الإمكان.

كيفية حماية الأطفال مادياً

وعلى الجانب الآخر، أكدت هند عاكف، أستاذ مساعد علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث، أن التجارب السابقة أظهرت أن كثيرًا من الأطفال كانوا الطرف الأضعف في صراعات الكبار، سواء من خلال الحرمان من النفقة، أو استخدامهم كورقة ضغط، أو تعرضهم لاضطرابات نفسية نتيجة النزاعات القضائية الممتدة.

وشددت على ضرورة أن ينطلق أي قانون جديد للأحوال الشخصية من تحديد وحماية حقوق الطفل أولًا، سواء على المستوى النفسي أو المادي أو الصحي أو التعليمي أو الاجتماعي، باعتباره محور أي تنظيم أسري.

وأوضحت أن المرتكز الأول الذي يجب أن يلتزم به القانون الجديد هو ضمان الحقوق المالية للأطفال، من خلال تسريع إجراءات دعاوى النفقة، ومنع المماطلة في تنفيذ الأحكام، مشيرة إلى أن تأخر النفقة يمثل أحد أبرز المشكلات التي تؤثر مباشرة على تغذية الطفل وتعليمه وعلاجه.

وأضافت أن تنظيم إجراءات النفقة بصورة أكثر كفاءة من شأنه تقليل اعتماد الأم على الديون أو المساعدات، وحماية الأطفال من خطر التسرب الدراسي، ومنع دخولهم في دائرة الحرمان الاقتصادي، بما يخفف من حدة التوتر داخل الأسرة الحاضنة.

كما دعت إلى ربط تقدير النفقة بالدخل الحقيقي للأب، عبر آليات دقيقة للتحري المالي، بما يضمن عدالة أكبر في تحديد قيمة النفقة، ويمنع محاولات إخفاء مصادر الدخل للتهرب من الالتزامات القانونية، وبما يحقق مصلحة الطفل في الحصول على مستوى معيشي يتناسب مع الوضع الاقتصادي الفعلي للأسرة.

أما فيما يتعلق بكيفية الحفاظ على الحقوق النفسية للأطفال، أوضحت هند عاكف أن ذلك يمكن تحقيقه من خلال تقليل حدة الصراع بين الأبوين، خاصة أن النزاعات الممتدة أمام المحاكم تجعل الطفل يعيش في بيئة مشحونة بالتوتر والعداء، وهو ما ينعكس سلبًا على استقراره النفسي.

وأكدت أن القانون الجديد ينبغي أن يركز على تعزيز الحلول الودية وآليات التسوية الأسرية قبل اللجوء إلى التقاضي الكامل، بما يحد من النزاعات بين الطرفين، ويخفف من الآثار النفسية على الطفل، مثل القلق والخوف والشعور بالذنب، مع ما يترتب على ذلك من تحسين في الأداء الدراسي والاجتماعي.

وأضافت أن حماية الأطفال نفسيًا يمكن أن تتحقق أيضًا من خلال تنظيم عمليتي الرؤية والاستضافة بشكل واضح ومنضبط، مشيرة إلى أن حرمان الطفل من أحد والديه قد يخلق فراغًا نفسيًا، إلا أن الصراع أثناء هذه اللقاءات قد يكون أشد ضررًا، ومن ثم فإن وضع قواعد دقيقة ومنظمة يحقق التوازن بين حقوق الوالدين وحق الطفل في الاستقرار والأمان.

واختتمت بالتأكيد على أن من أهم عناصر الحماية النفسية للطفل منع استخدامه كوسيلة انتقام بين الأبوين بعد الطلاق، موضحة أن بعض الممارسات مثل منع الزيارة أو تشويه صورة الطرف الآخر أو التحريض النفسي تُعد من أخطر ما يواجه الأطفال في هذه المرحلة، وأن التصدي القانوني لهذه السلوكيات من خلال آليات تنفيذ وعقوبات رادعة يمكن أن يسهم في حماية البناء النفسي للطفل وضمان نموه في بيئة أكثر استقرارًا.

وأفادت هند عاكف أن من أبرز المشكلات المتكررة في نزاعات الأحوال الشخصية تعطل إجراءات نقل الطفل إلى مدرسة جديدة، أو تأخير الحصول على العلاج والجراحات اللازمة، نتيجة الخلافات بين الوالدين، مشيرة إلى أن هناك توجهًا متزايدًا داخل مشروعات القوانين الحديثة لتنظيم الولاية التعليمية والصحية، بما يضمن عدم تعطيل مستقبل الطفل الدراسي، وتسريع اتخاذ القرار الطبي عند الحاجة.

وأضافت أن نجاح أي قانون جديد للأحوال الشخصية لا ينعكس على الأسرة فقط، بل يمتد أثره إلى المجتمع ككل، موضحة أن الطفل المستقر نفسيًا وماديًا يكون أقل عرضة للانحراف السلوكي، والعنف المدرسي، والتسرب من التعليم، فضلًا عن انخفاض معدلات الاكتئاب والعزلة وضعف الانتماء الأسري والاجتماعي.

وأشارت إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيئة أكثر عدالة وتوازنًا يصبح أكثر قدرة على الاندماج والإنتاج في المستقبل، بما يجعل حماية الأطفال استثمارًا مباشرًا في استقرار المجتمع.

وفيما يتعلق بمتطلبات نجاح القانون، أوضحت أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة النصوص فقط، وإنما في آليات التنفيذ، مؤكدة أن أفضل التشريعات قد تفشل إذا غاب تطبيقها الفعلي.

ودعت إلى سرعة الفصل في قضايا الأسرة، وتفعيل آليات تنفيذ الأحكام، وتوسيع دور الوساطة الأسرية المتخصصة، إلى جانب تقديم دعم نفسي للأطفال المتضررين، ورقمنة ملفات النفقة والرؤية، وتنظيم حملات توعوية للآباء والأمهات حول حقوق الطفل.