ماكينة الصرف الآلي: صديقة أم عدو يتربص بالعملاء؟
ماكينة الصرف الآلي: صديقة أم عدو يتربص بالعملاء؟

في ليلة مظلمة، قصدتُ إحدى ماكينات الصرف الآلي عند منتصف الليل لسحب مبلغ مالي طارئ، فإذا بها تبتلع بطاقتي بكل برود، تاركة إياي وحيدًا بلا حول ولا قوة، حتى ضاقت بي الأرض بما رحبت وضاقت نفسي. ليست هذه المرة الأولى التي أواجه فيها هذا الموقف مع ماكينات الصرف الآلي، فقد سبقته مواقف شتى، وسوف تعقبه مواقف أخرى، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

علاقة مضطربة مع الماكينات

في كل مرة تقريبًا، أسرع الخطى إلى ماكينة الصرف الآلي واثقًا فيها، متوهمًا أنها ستحقق لي رغبتي المشروعة، لكنها تفعل العكس. العلاقة بيني وبين هذه الماكينات تجسدها أغنية شيرين الجديدة: "عايزة أشتكي وأشكي، آه أشكي، واترمي في حضن أقرب حد وأبكي، أبكي، بس الحضن شوك، والجرح جاي من القريب، عالم غريب، أنا جيته ليه؟".

انتشار الماكينات في مصر

ينتشر في أنحاء مصر نحو 7 آلاف ماكينة صرف آلي. هذه الماكينات، أو ما تعرف اختصارًا بـ "ATM"، هي أجهزة إلكترونية مصرفية تتيح للعملاء إنجاز معاملات مالية ذاتية، بديلًا عن زيارة البنوك، واختصارًا للوقت. الوظائف الأساسية لهذه الماكينات تشمل: سحب النقود، إيداع الأموال والشيكات، تحويل الأموال، الاستعلام عن الرصيد، دفع الفواتير، وغيرها من الخدمات المالية وغير المالية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

كان الهدف من التوسع في نشر هذه الماكينات خلال العقود الثلاثة الأخيرة هو توفير سهولة الوصول للخدمات المصرفية على مدار الساعة وإنجازها في وقت سريع، مثل أوروبا والدول المتقدمة. يفترض في هذه الماكينات أنها توفر خدماتها المتنوعة على مدار الساعة، وجميع أيام الأسبوع وفي الإجازات، وآناء الليل وأطراف النهار، في سهولة ويسر، ولكن ليس كل ما يتمناه العميل يدركه.

تاريخ ماكينات الصرف الآلي في مصر

فيما بدأ انتشار ماكينات الصرف الآلي في تسعينيات القرن الماضي، فإن مصر عرفت أول "ATM" في حقبة الثلاثينيات، عندما جلب أبو الاقتصاد المصري طلعت باشا حرب خزينة ليلية، وتم وضعها على جدار بنك مصر بوسط القاهرة، ولا تزال قائمة حتى الآن. كان الهدف من هذه الخزينة الليلية هو استقبال أموال المودعين في المساء بعدما تكون البنوك قد أغلقت أبوابها، بحسب صفحة «موسوعة صور مصر» على «فيس بوك». بالرغم من عبقرية الفكرة في زمانها، فإن هذه الماكينة الفريدة كانت للإيداع فقط، ولم تكن مدعومة بخاصية سحب الأموال وغيرها من الخدمات الأخرى التي ظهرت في فترات لاحقة مع الطفرات التكنولوجية المتتالية.

مشاكل الماكينات الحالية

بين القديم والجديد، اكتسبت كثير من هذه الماكينات بحكم وجودها في المحروسة خاصية أخرى، وهي: خاصية الصدمة والرعب، حيث تفاجئك الماكينة، وأنت في أصعب الظروف وأشد حالات الاحتياج، بإعلان العصيان عبر رفع لافتة: "الماكينة خارج نطاق الخدمة"، أو ابتلاع الكارت الشخصي أو أموالك، وتتركك في استعلاء أسيرًا لارتفاع الضغط وقلة الحيلة، رافعة شعار: "من شابه حكومته فما ظلم".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

من المؤكد أنك واجهت هذا الصنف من الماكينات المتبلدة الكالحة المتساخفة التي تعلن أنها خارج نطاق الخدمة، أو تستدرجك لإيداع مبلغ من المال، ثم تكفهر الشاشة في وجهك وتزرّق وتسوّد وتزمجر، وإن أحسنت إليك صنعًا فإنها قد تخرج لك كارت الفيزا، أو تبتلعه في رحلة ذهاب بلا عودة مع مبلغ الإيداع، وتتركك حيران أسفًا، كما فعلت معي في هذه الليلة.

تتفاقم الأزمة أكثر عندما يكون الهدف من إيداع هذا المبلغ إرساله إلى قريب أو صديق لقضاء حاجة عاجلة، أو لسداد دَين متأخر عليك، والدَّين هم بالليل ومذلة بالنهار، وحينئذ تكون فرضية تصديقك من الطرف الآخر موضع شك، حتى وإن أقسمت له جهد أيمانك أنك لمن الصادقين، كما حدث معي في تلك الليلة.

هذا العارض لا يقتصر على ماكينات البنوك الحكومية دون غيرها، بل يمتد أيضًا إلى البنوك الخاصة والأجنبية العاملة في مصر على حد سواء؛ ما يجعلك غير قادر على استثناء ماكينة دون أخرى تجنبًا للسقوط في الفخ، حيث يبقى تثبيتك وانتزاع مالك أو ابتلاع الفيزا احتمالًا قائمًا طول الوقت. ويجعل إنجاز عملية مالية، يفترض أنها سريعة، من دون السطو عليهما أمرًا عظيمًا يستحق سجدة شكر في تاريخه، على أنغام أغنية: "واللا وعملوها الرجالة" لخالد الذكر حمادة هلال في حضرة الماكينة الأمينة التي عز وجودها، على غرار الزوجة الطيبة الصالحة التي ندر بقاؤها في هذا الزمان.

هذه الماكينة قد تكون حديثة العهد، ولم تكتسب بعد من أخلاقيات الحكومة التي تعتبر صدمة رعاياها وصناعة المقالب فيهم عملًا عظيمًا يستوجب الامتنان وإرسال برقيات الشكر لها.

صعوبة استرداد الأموال

المؤسف في هذه الظاهرة أنك لا تستطيع استرداد أموالك المسلوبة أو الفيزا "المبلوعة" غدرًا خلال ساعة أو ساعتين، فهذا من خامس المستحيلات. في البداية، تكون مضطرًا إلى التواصل مع خدمة العملاء للبنك، ولن يردوا عليك من المرة الأولى أو الثانية أو العاشرة، ولا حتى في اليوم نفسه. تخبرك الرسائل المسجلة بنفس الدم البارد الذي أعلنت فيه الماكينة العصيان، أن جميع موظفي خدمة العملاء مشغولون مع عملاء آخرين، وكل مكالمة تستغرق دقائق معدودات. في الأخير، عندما يتفضلون بالرد عليك ويتأكدون من جميع المعلومات ومن أنك صادق أمين ولست نصابًا محتالًا، فإنك لن تسترد أشياءك قبل أسبوع أو أسبوعين مع إسقاط أيام العطلات والإجازات الرسمية. كأنك أنت من عطل الماكينة، أو ألقمتها حجرًا، أو دسست فيها أوراقًا بيضاء، وليست أوراق بنكنوت ناصعة تسر الناظرين؛ فالأمر سوف يستغرق أيامًا أخرى، وقد يلزمونك بزيارة فرع البنك لتقضي به يومًا أو نصف يوم في حضرة موظفي خدمة العملاء، وما أدراك ما هم؟

دعوة لحلول عاجلة

أزمات ماكينات الصرف الآلي الكثيرة والمتفاقمة، من التعطل الكامل إلى "شفط" الفيزا وابتلاع الأموال، يجب أن تتوقف، وأن تكون هناك حلول تقنية عاجلة وحقيقية لاحتوائها، وعمليات صيانة دورية ومنتظمة، في زمن التحول الرقمي والشمول المالي والتقنيات المتطورة. كما ينبغي ألا تكون عملية استرداد أشيائنا معقدة وطويلة الأجل على هذا النحو البغيض، كأن قاطع طريق استولى عليها ويطلب فدية لإعادتها مجددًا. وإن لم تفعلوا ولن تفعلوا، فلا بد من تزويد هذه النوعية من الماكينات "الناشز" بمطلع أغنية خالدة الذكر نوال عبد الشافي: "مخاصماك" التي تقول في مطلعها: (مخصماك وابعد عني أنا مش طايقاك، مخصماك وابعد عني أنا مش طايقاك، سيبني مش عايزة أبقى معاك، ما تورينيش وشك تاني)؛ حتى نأخذ حذرنا وننجو بأنفسنا منها.