على هاشم يطلق صرخة نيابة عن أصحاب المعاشات والفرص الضائعة، مؤكدًا أن قضيتهم لم تعد مجرد ملف مالي أو بند اجتماعي في الموازنة، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لفكرة العدالة ذاتها. فالعجز عن تأمين حياة كريمة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة يفتح أبواب القلق والخوف أمام الأجيال العاملة بأكملها.
جاءت تصريحات نائبي البرلمان الدكتور رضا عبدالسلام وعبدالعليم داوود كجرس إنذار يكشف خللًا تراكم عبر سنوات طويلة، حتى تحولت أموال المعاشات من مشروع أمان اجتماعي إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة. المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ضعف قيمة المعاشات أمام موجات التضخم وارتفاع الأسعار الذي لا يتوقف ولا يرحم هذه الفئة الأولى بالرعاية، بل في الفلسفة التي أُديرت بها أموال المعاشات نفسها.
تجميد الأموال بدلاً من استثمارها
فحين تتحول تريليونات الجنيهات إلى مجرد أرقام توضع في أذون خزانة بعوائد محدودة لا تتجاوز 3%، فإننا لا ندير ثروة بل نجمدها. والأسوأ أن أصحاب هذه الأموال يرون دخولهم تتآكل عامًا بعد آخر، بينما تتضاعف احتياجاتهم الصحية والمعيشية مع التقدم في العمر، فيشعر المتقاعد أنه انتقل من خدمة الدولة إلى معركة يومية من أجل البقاء.
التجارب الدولية الناجحة
التجارب الدولية الناجحة لم تتعامل مع أموال المعاشات باعتبارها عبئًا بل باعتبارها قوة اقتصادية. ففي النرويج مثلًا تحول صندوق التقاعد السيادي إلى أحد أكبر المستثمرين في العالم، يملك حصصًا في آلاف الشركات العالمية ويحقق عوائد ضخمة تحفظ للأجيال القادمة حقها في الحياة الكريمة. وفي اليابان يدير صندوق المعاشات استثمارات متنوعة في الأسهم والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، بينما أدركت الصين مبكرًا أن صناديق التقاعد ليست خزائن مغلقة، بل أدوات لبناء الاقتصاد الوطني نفسه.
الإصلاح المطلوب
أما في مصر، فما زال التفكير التقليدي يسيطر على إدارة الملف؛ إدارة بيروقراطية تخشى المخاطرة المنتجة، لكنها لا تخشى خسارة القيمة الحقيقية للأموال بفعل التضخم. ولهذا فإن أي إصلاح جاد لا بد أن يبدأ من نقطة جوهرية: الفصل الكامل بين الإدارة الحكومية التقليدية وبين الإدارة الاستثمارية الاحترافية. فصندوق المعاشات يجب أن يتحول إلى كيان اقتصادي مستقل، له مجلس إدارة من خبراء الاقتصاد والاستثمار والتأمينات، ويخضع لرقابة البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات، ويعلن تقاريره للرأي العام بشفافية كاملة.
كما أن إعادة هيكلة استثمارات أموال المعاشات أصبحت ضرورة وطنية لا رفاهية سياسية. فمن غير المنطقي أن تظل أغلب الأموال محبوسة في أدوات دين منخفضة العائد، بينما الاقتصاد المصري يحتاج إلى استثمارات في الصناعة والطاقة الجديدة والزراعة الحديثة والموانئ واللوجستيات والتكنولوجيا والرعاية الصحية. فهذه القطاعات قادرة على توليد أرباح وفرص عمل وقيمة مضافة حقيقية، بما يسمح بزيادة المعاشات بصورة مستدامة لا تقوم على المسكنات الموسمية.
الحماية الاجتماعية المتكاملة
لكن الإصلاح المالي وحده لا يكفي. فصاحب المعاش لا يطلب رقمًا أكبر فقط، بل يريد حماية اجتماعية متكاملة. هناك متقاعد يلتهم الدواء نصف معاشه، وآخر يقضي ساعات طويلة في طوابير العلاج، وثالث يطحنه إيجار السكن وفواتير الحياة. لذلك فإن أي رؤية مستقبلية عادلة يجب أن تربط بين المعاش والرعاية الصحية والدعم الدوائي والخدمات الاجتماعية. ومن دون ذلك ستظل الزيادات السنوية مجرد أرقام تبتلعها الأسواق في أيام قليلة.
الآثار على الجهاز الإداري
الأخطر من كل ذلك أن تجاهل هذه الأزمة ينعكس على الجهاز الإداري كله، كما أشار عبدالعليم داوود. فالموظف الذي يرى المتقاعد يعيش القلق والعوز بعد عقود الخدمة، لن يشعر بالأمان الوظيفي، وربما يبحث عن تأمين مستقبله بطرق أخرى تفتح أبواب الفساد أو اللامبالاة أو الهجرة من الوظيفة العامة. وهنا تتحول أزمة المعاشات من قضية اجتماعية إلى تهديد مباشر لكفاءة الدولة واستقرارها الإداري.
لحظة فارقة
الحكومة اليوم أمام لحظة فارقة؛ فإما أن تنظر إلى أصحاب المعاشات باعتبارهم تكلفة يجب احتواؤها بأقل الخسائر، أو باعتبارهم أصحاب حق وشركاء في بناء الوطن. والفارق بين النظرتين هائل. الأولى تنتج قرارات مؤقتة وترقيعًا تشريعيًا، والثانية تنتج مشروعًا اقتصاديًا وإنسانيًا طويل الأمد يعيد الثقة بين المواطن والدولة. إن النهوض بأصحاب المعاشات لا يحتاج خطبًا عاطفية ولا كلمات منمقة ولا مطالبات برلمانية حماسية يعقبها فتور وتراخٍ، بقدر ما يحتاج إرادة حكومية شجاعة تعترف بأن الخلل قائم، وأن الوقت قد حان لتحويل أموال المعاشات من عبء ساكن إلى ثروة متحركة تصنع التنمية وتحمي الكرامة الإنسانية.
فهؤلاء الذين أعطوا أعمارهم للوطن لا ينتظرون منّة من أحد، بل ينتظرون رد الجميل في صورة حياة تليق بتاريخهم وتضحياتهم.. فمتى تتحرك الحكومة لإنقاذ أصحاب المعاشات أصحاب الفضل والعطاء لا منتظري الإحسان والشفقة؟
لو كان لدينا برلمان حقيقي ما سمح أبدًا للحكومة بمرمطة أصحاب المعاشات وإفقارهم بهذا الشكل المزري.



