كنت في مقر إقامتي الدائم بمنتجع المطبخ، حيث تعزف الحلل والصواني أجمل سيمفونية إزعاج في تناغم رائع مع رائحة الطبيخ وبصل السلطة، وإذا بي وسط هذا الجو المريح للأعصاب، أجد كتاب ابني لمادة الدراسات الاجتماعية للصف الثاني الإعدادي. حد يسألني طيب يا مس إيه اللي جاب الكتاب المطبخ؟ وبعد أن أحيي السائل أقول له إن ابني أخذه العشم لأبعد مدى، وخُيل له أن ماما بتفوت في أي حاجة حتى الجغرافيا، وبناءً على قدرتها الخارقة في توصيل المعلومة ورغم أنها كانت علمي علوم إلا أنها تستطيع شرح ما صعب عليه فهمه.
أخذت أتصفحه وليتني ما فعلت من هول ما رأيت والذي يفوق بمراحل لا تُعد المرار الطافح وحزن الحزن. وجدت في الجزء الخاص بالوحدة الثالثة، جغرافيا، مقارنة بين قارتي آسيا وأوروبا في الأنشطة الاقتصادية. الوحدة عبارة عن أربعة دروس، والدرس الواحد يقترب في عدد صفحاته من الخمس عشرة صفحة، ومع ذلك قلت في نفسي "وما له العلم نورون برضك".
أخذت أتصفح الدروس ومع الصفحة الثالثة من الدرس الأول بدأت أشعر بحالة دوار مع صداع مفاجئ وزغللة في العينين مع رغبة ملحة في أن أرقع بالصوت الحياني لولا خشيتي أن يقول الجيران الولية اتجننت.
ماذا وجدت يا سادة؟ وجدت مقارنة بين قارتي آسيا وأوروبا في كل شيء من أول البطاطا والبطاطس وكافة المحاصيل الزراعية التي أعرفها أو لا أعرفها، وأماكن زراعتها ونسبتها في كل قارة، والدول التي تزرعها ومواسم الزراعة.. آه والله زمبقلوكم كده، مرورًا بالحيوانات جاموس وبقر وإبل وماعز وأغنام والأسماك في كل قارة وأنواعها والدول الموجودة بها وعددها بالسمكة والصيادين وشبك حبيبي شبك قلبي وشبك روحي، وصولًا إلى الثورات الصناعية، وأهم الصناعات من أول مشبك الغسيل للعربية بالإضافة إلى المنظمات الإقليمية في كلتا القارتين.
ولكن أكثر ما لفت نظري في حنة شيماء التي رأيتها في هذه الدروس أنني ولأول مرة وبعد إن ضاع العمر يا والدي أعرف أن هناك شيء على الكوكب يدعى الشيلم. جوجلت لأعرف ما هو هذا الشيلم فوجدته نباتًا عشبيًا من فصيلة النجيلة.. نجيلة؟! يا دي النجيلة السودة. قبل أن أدخل هذا العالم العجيب وأتوه بين صفحات الوحدة الثالثة جغرافيا كنت أعتقد الجغرافيا هي مادة أن الأرض كروية تلف حول نفسيها ولكنني وجدتها جغرافيا البطاطا والشيلم.
أيها السادة واضعي المناهج والقائمين على التعليم في هذا البلد الطيب خالص تحياتي لكم جميعًا، لما بذلتموه من جهد متميز كي تكرهوا العيال في التعليم وفي العيشة واللي عايشينها.



