نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددًا من الفتاوى التي تشغل أذهان كثير من المسلمين، نستعرض أبرزها في التقرير التالي.
هل تنظيم الأسرة يعد هروبًا من قضاء الله؟
سؤال ورد إلى دار الإفتاء المصرية: هل تنظيم الأسرة يعتبر تدخلًا في قدر الله أو هروبًا من قضاء الله؟
قالت الإفتاء في إجابتها: إن تنظيم الأسرة ليس هروبًا من قضاء الله ولا تدخلًا في قدره سبحانه وتعالى، وإنما هو من باب الأخذ بالأسباب العادية التي إن شاء الله تعالى خلق عندها الأثر أو لم يخلقه، كما هي عقيدة أهل السنة في ارتباط الأسباب بالمسببات بطريق جريان العادة، وأن كل أثر وقع في الكون فهو مخلوق، وأنه لا خالق على الحقيقة سوى الله عز وجل.
واستشهدت بما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه: أن رجلًا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا، وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: «اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قدر لها» فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: «قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها».
وبينت أن في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «سيأتيها ما قدر لها» دلالة على أنه لا تعارض بين الأخذ بالأسباب ووقوع الأقدار؛ لأنه لا قدرة لأحد على مخالفة قضاء الله وقدره، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وروى أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي جارية وأنا أعزل عنها وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى قال: «كذبت يهود، لو أراد الله أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه».
وأوضحت أنه على هذا لا يعتبر تنظيم الأسرة تدخلًا غير جائز في القدر أو هروبًا منه، وإنما هو من باب الأخذ بالأسباب العادية التي إن شاء الله تعالى خلق عندها الأثر أو لم يخلقه.
ماذا يحدث عندما تذكر الله في ذي القعدة؟
قال الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن من جميل المنن ومن أعلى النعم أن الله سبحانه وتعالى يذكر اسمك في الملأ الأعلى عند ذكره تعالى.
واستشهد بما ورد في الحديث القدسي: «ومن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منه».
ونوه بأن هكذا يمن الله سبحانه وتعالى علينا وهو الذي خلقنا ووفقنا لذكره، فإذا به يعطينا على هذا الذكر أجرًا حسنًا عليه.
وتابع: فلو تخيل الإنسان أنه كلما ذكر ربه من قلبه ذكر في الملأ الأعلى في الحضرة القدسية، وفي الحديث: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».
وأضاف: يأخذ سيدنا جبريل الكلام وينزل به إلى من بعده ويقول إن ربكم يحب فلانًا فأحبوه، وتتسلسل هذه المحبة من الملأ الأعلى فيجد أحدكم نفسه وقد أحبه الناس من غير حول له ولا قوة.
وأشار إلى أنه في بعض الأحيان يكثر الانشغال بالدنيا ومشكلات الحياة فننشغل عن الذكر، فماذا نفعل؟ منبهًا إلى أنه ينبغي أن نفعل شيئين: الأول: أن نذكر ولو قليلًا، ولكن بديمومة، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. ونصح قائلًا: أستغفر مائة مرة، أقول لا إله إلا الله مائة مرة، أصلي على النبي مائة مرة، أفعل هذا في الصباح والمساء فقط، ولكن أداوم عليه. وثانيًا: أن نجعل ذكر الله في حياتنا، عندما نأكل أو نشرب نقول باسم الله، وعندما ننتهي نقول الحمد لله، وعندما نخرج في الصباح نقول باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
هل يمكن للقمة طعام واحدة من حرام أن تحجب دعاءك أو تفسد خلقك؟
أطب مطعمك من أهم الأمور التي ينبغي على المسلم أن يتحراها ولا يقبل إلا طيبًا، فالله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وقد يتساءل الكثير: هل يمكن للقمة طعام واحدة من حرام أن تحجب دعاءه أو تفسد خلقه؟
قالت وزارة الأوقاف المصرية: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم والقرآن الكريم أشارا إلى أن الطعام ليس مجرد وقود للبدن، بل هو مادة تكوين الروح؛ لذلك فإن المطعم الطيب الحلال هو مفتاح السماء وسر السكينة، بينما الكسب الخبيث والإسراف هما حجاب القلوب ومنبع النزاع، فمن طاب مأكله طابت حياته.
وأوضحت أن تحري أزكى الطعام ليس مجرد اختيار غذائي، بل هو عمارة للروح وصفاء للخلق؛ فالكسب الحلال وجودة المأكل مع الإقلال وعدم الإسراف هي مفاتيح استجابة الدعاء وسكينة النفس، فمن طاب مطعمه، حسن طبعه وزكت جوارحه، وصار أكله وشربه ذكرًا لله وجمالًا يتقرب به إلى مائدة الرحمن في الدنيا والآخرة.
ونوهت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أرشدنا إلى أنه ينبغي علينا أن نتخير مطاعمنا، وقد أرجع كثير من العلماء ما يسري بين الناس من سوء الخلق وما يترتب عليه من التنازع والخصام إلى سوء المطعم على مستوياته كلها؛ سواء أكان الطعام من حرام وإن كان حلالًا في ذاته، كالرشوة والسرقة، أو كان الطعام محرمًا في نفسه؛ مما حرمه الله علينا كالخمر والخنزير والميتة، فكل ما يدخل ليكون لحمك ودمك له علاقة بتقواك لله رب العالمين.
وهذا المعنى يقول فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة» [الطبراني].
وبينت أن تحري الطعام الطيب يكون بأن يكون مباحًا في نفسه، طيبًا في طعمه، وأن يصل إلى الإنسان من طريق حلال، ومن كسب مشروع. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟» [صحيح مسلم].
وأضافت: نعم، من طيب الطعام أن يكون من حلال، ولكن حتى الطيبات أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نأخذ منها أطيبها، وكلما تحرى الإنسان طيب الطعام وتلذذ به وتذوق طعمه ولم يكن همه ملء بطنه، ترقى في باب استجابة الدعاء مع الله.
وقال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه: كانت بلية أبيكم آدم أكله، وهي بليتكم إلى يوم القيامة. ويقول سيدنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه» [رواه الترمذي].
فأنت تتخير القليل ولكنه ذو جودة عالية، وهذه الجودة لا تتأتى بغلاء الأثمان، وإنما تتأتى بأن لا يكون هم الإنسان بطنه، ولا أن يملأه كيفما شاء، بل عليه أن يتأنى، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا مضغ أحسن المضغ، ويقول في أيام التشريق: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل» [صحيح مسلم]، فجمع بين الأكل والشرب وبين ذكر الله.
ويقول سبحانه وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 31-32]، فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشترك معهم فيها الكافرون والمشركون والمنافقون على مائدة الرحمن، ولكنها تكون خالصة لأولئك المؤمنين يوم القيامة.
والله سبحانه وتعالى يحب الجمال، وقد أرشدنا إلى الطيب من الطعام، وهذا الطيب حين تخلينا عنه، وأخذنا نأكل كل شيء في الطرقات من غير تحر، وإنما لسد الجوعة وملء البطن، تنازع الناس، ورأينا سوء الخلق ينتشر فيهم؛ لأن الذي لا يتحرى في مأكله ومشربه يدل حاله على دناءة همة وقلة مبالاة، وماذا تنتظر ممن هذه حاله إلا سوء الخلق والنزاع والخصام بين الناس؟
وعندما أفاق أولياء الله الصالحون أهل الكهف من غفوتهم التي من الله عليهم بها، قالوا: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} [الكهف: 19]، قالوا: أزكى طعامًا، ولم يقولوا: فليأتنا بطعام، مع أنهم منذ ثلاثمائة سنة أو يزيد في جوعة لا يعلمها إلا الله، وكان يمكن أن يقال: ليبادر وليأتنا بأي شيء، لكنهم لم يقولوا ذلك، وإنما قالوا: فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا.
ويقول تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، ولم يقل: كلوا الطيبات، بل قال: من طيبات، و"من" للتبعيض؛ يعني: كلوا بعض طيبات ما رزقناكم.
وشددت على أنه ينبغي على الإنسان أن يتحرى الجمال في الأكل، والحلال في الأكل، والإقلال في الأكل، فلا يسرف ولا يملأ بطنه، بل يتخير.



