لم يعد الصمت خيارًا أمام تصاعد بعض السلوكيات التي تهدد تماسك الأسرة وتقوّض أبسط قواعد الاحترام الإنساني. فحين يصل الأمر إلى الاعتداء على الوالدين، أو التنمر عليهما، فإننا لا نكون أمام مجرد تجاوز فردي، بل أمام خلل يستدعي وقفة حاسمة، تعيد ضبط البوصلة الأخلاقية وتؤكد أن هناك خطوطًا لا يجوز الاقتراب منها.
تجريم التنمر على الوالدين
من هذا المنطلق، جاء تحرك آية عبد الرحمن، عضو مجلس النواب، ليضع هذه القضية في قلب الاهتمام التشريعي، عبر مشروع قانون يسعى إلى تعديل قانون العقوبات، وتشديد العقوبات على من يتجاوزون حدود البر والاحترام. لا يقتصر المقترح البرلماني على كونه تعديلًا قانونيًا بحتًا، بل يحمل في طياته رسالة مجتمعية عميقة، مفادها أن الأسرة ليست ساحة مفتوحة للفوضى أو الانتهاك، بل هي كيان يجب أن يُصان ويحاط بأقصى درجات الحماية. فالعلاقة بين الأبناء والوالدين لطالما كانت حجر الأساس في بناء المجتمعات، وأي تصدع فيها ينعكس مباشرة على استقرار المجتمع بأسره. ولذلك، فإن مواجهة ظواهر مثل العنف الأسري والتنمر داخل الأسرة لم تعد رفاهية تشريعية، بل ضرورة ملحة تفرضها طبيعة المرحلة.
تعديلات على قانون العقوبات
جاء مشروع القانون في مادتين، تضمنتا تعديلات على قانون العقوبات، حيث نصت المادة الأولى على تغليظ عقوبة الاعتداء على الوالدين، سواء كان ضربًا بسيطًا أو مبرحًا، من خلال إضافة حكم خاص إلى المادة (242) المتعلقة بالضرب غير الجسيم، لتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تزيد على عشر سنوات، وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه. كما نص المشروع على أنه في حال عودة الابن لارتكاب الجريمة مرة أخرى، يُطبق الحكم الأول والثاني معًا، وتُفرض عليه غرامة قدرها مليون جنيه مصري، مع عدم الاعتداد بتنازل الوالدين في هذه الحالة، على أن يتم تنفيذ الحكم وجوبًا في المرة الثانية.
تشديد العقوبات على التنمر
وفيما يتعلق بجريمة التنمر على الوالدين، اقترح المشروع تشديد العقوبات وفقًا لأحكام المادة (189) من قانون العقوبات، بحيث يُعاقب المتنمر بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه. وفي حال ارتكاب الجريمة من شخصين أو أكثر، أو إذا كان الجاني من أصول المجني عليه، أو من المتولين تربيته أو ملاحظته، أو ممن لهم سلطة عليه، أو كان خادمًا لدى الجاني، فإن العقوبة تُشدد لتصبح الحبس مدة لا تقل عن عامين، وغرامة قدرها مليون جنيه مصري. كما نص المشروع على أنه في حال العود، تُضاعف العقوبة، وتُرفع الغرامة إلى مليوني جنيه مصري، مع عدم الاعتداد بتنازل المجني عليه، على أن يكون تنفيذ الحكم وجوبيًا.
بين مؤيد يرى في هذه التعديلات خطوة جريئة نحو استعادة هيبة الأسرة، ومعارض يتخوف من الإفراط في العقاب، يظل السؤال الأهم: هل يمكن للقانون وحده أن يعيد تشكيل الوعي، أم أن الأمر يحتاج إلى جهد مجتمعي متكامل؟ هذا ما يجعل من هذه القضية محورًا لنقاش أوسع، يتجاوز النصوص إلى جوهر العلاقة الإنسانية، ويضعنا أمام مسؤولية مشتركة لإعادة ترسيخ قيم الاحترام والرحمة داخل بيوتنا.



